إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا * عنّي ، وما سمعوا من صالح دفنوا « 1 »
إلا أن الذي ذكرته ضدّ هذا المعنى ، وقد يستخرج المعنى من ضده . وهو أحسن مما يستخرج من نفسه .
ومن هذا قولي أيضا ، وهو : ليس الصديق من صرّى أخلاف ودّه « 2 » وغشّ في صفقة عهده بل الصديق من لا ترد سلعة وده بإقالة ولا عيب ، ولا تخص محافظة إخائه بشهادة دون غيب « 3 » فذلك أخي من غير نسب ، وكنزي من غير نشب .
وهذا مأخوذ من الفقه في تصرية ضرع الشاة عند البيع ، وذلك يوجب الرد .
ومما ينتظم بهذا السلك قولي ، وهو : الانتقال عن خلة الوداد ، كالانتقال عن نسب الميلاد ، وكما يحرم هذا في نص الحكم المشروع ، فكذا يحرم هذا في خلق الكرم المطبوع ، على أن نسب الخلة الذي ينميه القلب إلى القلب ، أوصل من نسب الرحم الذي ينميه الابن إلى الأب ، ولهذا كانت مودة سلمان قربى ، ونسب أبي لهب سبّا وتبّا .
وبعض هذا مأخوذ من شعر أبي نواس ، وهو :
كانت مودّة سلمان له نسبا * ولم يكن بين نوح وابنه رحم
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الديار ، وهو : دار كانت مقاصر جنة ، فأصبحت وهي ملاعب جنّة ، ولقد عميت أخبار قطّانها ، وأنشاز أوطانها ، حتى شابهت إحداهما في الخفاء ، الأخرى في العفاء ، وكنت أظن أنها لا تسقى بعدهم بغمام ، ولا يرفع عنها جلباب ظلام ، غير أن السحاب بكاهم فجرت بها سوافح دموعه ، والليل شق عليهم ثوبه فظهر الصباح من خلال صدوعه .
هامش
( 1 ) في الحماسة « طاروا بها فرحا مني » ، وفي رواية ابن الشجري « طاروا لها فرحا مني » .
( 2 ) صرى الرجل شاته تصرية : لم يحلبها أياما ليجتمع اللبن في ضرعها ؛ فيرى حافلا ، يقصد بهذا الغش في البيع ؛ والأخلاف للناقة كالثدي للمرأة .
( 3 ) الشهادة : الحضور ، تقول : شهدنا فلان يوم كذا ، تريد حضرنا ، والغيب : ضده .