تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
ومن هذا الباب أيضا قولي ، وهو : تركت قوما يسلون الحبيب ، ويملّون القريب ، ولا يرعون من يرعاهم ، ولا يدرّ اللبن على مرعاهم ، فنوالهم تحايا ، وأعراضهم ضحايا ، ومن أحسن صفاتهم أنهم يعاقبون على الظنة ، ولا يرتاحون لمنة ، فالذرائع لديهم مدفونة ، والصنائع غير مسنونة . وبعض هذه المعاني مأخوذ من شعر أبي الطيب « 1 » المتنبي :
رأيتكم لا يصون العرض جاركم * ولا يدرّ على مرعاكم اللّبن جزاء كلّ قريب منكم ملل * وحظّ كلّ محبّ منكم ضغن
ومن ذلك ما ذكرته على الحث على الاغتراب ، وهو : لولا التغرب لما ارتقت بنات الأصداف إلى شرف الأعناق ، ولا ارتقى تراب الأحجار إلى نور الأحداق . وكذلك قولي في هذا المعنى ، وهو : في الانتقال تنويه لخامل الأقدار ، ولولا ذلك لم يكس الهلال حلة الأبدار ، والمندل الرطب حطب في أوطانه ، والمسك دم في سرر غزلانه ، ولولا فراق السهم وتره لم يحظ بفضل الإصابة ، ولولا فراق الوشيج منبته لم يتحلّ بعز السّنان ولا شرف الذّؤابة . وهذا الفصل فصل من القول في معناه ، ومما لم ينبش للخواطر ابتناء مبناه ؛ فمنه ما هو مأخوذ من الشعر ، ومنه ما منح به الخاطر على غير مثال ، وهو يشهد لنفسه . ومن ذلك ما ذكرته في وصف الأيام ، وهو : أيام تعدّ بأعوام « 2 » لقصر أعمارها ، وشهور لا يشعر بأنصافها ولا سرارها ؛ فالأوقات بها أصائل ، والمحاسن فيها
هامش
( 1 ) من قصيدة له أرسلها إلى سيف الدولة من مصر ، وقد بلغه أنه ذكر بمجلسه بسوء ، وأول هذه القصيدة قوله :بم التّعلّل ؟ لا أهل ، ولا وطن ، * ولا نديم ، ولا كأس ، ولا سكن( 2 ) كذا ؛ ولعله « أعوام تعد بأيام » .