وبعض هذه المعاني مأخوذ من قول أبي تمام « 1 » :
أرض بها عشب زاك وليس بها * ماء وأخرى بها ماء ولا عشب « 2 »
إلا أن في الكلام المنثور زيادة على ما تضمنه الشعر ، وكأنه ينظر إليه نظرا بعيدا .
ومن سبيل المتصدّي لهذا الفن أن يأخذ المعنى من الشعر فيجعله مثل الإكسير في صناعة الكيمياء ، ثم يخرج منه ألوانا مختلفة من جوهر وذهب وفضة ، كما فعلت في هذا الموضع ؛ فإني أخذت معنى هذا البيت من الشعر فاستخرجت منه ما ليس منه ، وهذا أعلى الدرجات في نثر المعاني الشعرية .
وقد بسطت القول في هذا الموضع ، وكشفت عن دفائنه ، في الكتاب الذي وسمته ب « الوشي المرقوم في حلّ المنظوم » وهو كتاب مفرد [ في ] هذا الفن خاصة .
ومن هذا الضرب الذي هو الكيمياء في توليد المعاني ما ذكرته في وصف الربيع فقلت : فصل الربيع هو أحد ميزاني عامه ، والمستقيد لسامه من حامه ، وقد وصف بأنه ميعاد نطق الأطيار ، وميلاد أجنّة الأزهار ، والذي تستوفي به حولها سلافة العقار ، فإذا سلّت السحب فيه سيوفها كان ذلك للرضا لا للغضب ، وإذا خلعت على الأرض غلالتها الدّكناء لبست منها ديباجة منسوجة بالذهب .
وهذا المعنى مستولد من قول أبي تمام في وصف السحاب « 3 » :
هامش
( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها أبا جعفر محمد بن عبد الملك بن أبي مروان الزيات ، وأولها :قد نابت الجزع من أرويّة النّوب * واستحقبت جدّة من دارها الحقبوانظر الديوان ( ص 46 ) .
( 2 ) رواية الديوان « أرض بها عشب جرف » والجرف : ما جرفته السيول وأكلته الأرض ، والذي هنا أفضل من رواية الديوان ؛ لتمام التقابل .
( 3 ) من قصيدة له يمدح أبا الحسن محمد بن عبد الملك بن صالح الهاشمي ، وأولها قوله :إنّ بكاء في الرّبع من أربه * فشائعا مغرما على طربه