وتفكّر المتوسّطين إنّما يكون في المعاملة بينهم وبين ربّهم في حسناتهم وسيئاتهم ، وفيما يفعل لهم من اللطف والإحسان والحلم والعفو وغير ذلك .
فإنّه إذا تفكّر العبد في حسناته هل هي تامّة أو ناقصة موافقة للسنّة أو مخالفة لها خالصة عن الشرك والشكّ أو مشوبة بهما ، يدعوه لا محالة هذا التفكّر إلى إصلاحها وتدارك ما فيها من الخلل .
وكذا إذا تفكّر في سيئاته وما يترتّب عليها من العقوبات والبعد عن الله سبحانه ، يدعوه ذلك إلى الانتهاء عنها وتدارك ما أتى بها بالتوبة والندم .
وإذا تفكّر في صفات الله تعالى وأفعاله من لطفه بعباده وإحسانه إليهم بسوابغ النعماء وبسط الآلاء والتكليف دون الطاقة والوعد لعمل قليل بثواب جزيل وتسخيره له ما في السماوات والأرض وما بينهما إلى غير ذلك ، يدعوه ذلك لا محالة إلى البرّ والعمل به والرغبة في الطاعات والانتهاء عن المعاصي .
وإليه أشار أمير المؤمنين ( ع ) بقوله : « التَّفَكُّرُ يدْعُو إِلَى الْبِرِّ وَالْعَمَلِ بِه » ( « 1 » ) .
وتفكّر العامّة هو المشار إليه بقول الصادق ( ع ) حيث سئل عمّا يروى الناس : « إِنَّ تَفَكُّرَ سَاعَةٍ خَيرٌ مِنْ قِيامِ لَيلَةٍ . قيل : كَيفَ يتَفَكَّرُ ؟ قَالَ : يمُرُّ بِالْخَرِبَةِ أَوْ بِالدَّارِ ( « 2 » ) فَيقُولُ : أَينَ سَاكِنُوكِ ؟ أَينَ بَانُوكِ ؟ مَا لَكِ لَا تَتَكَلَّمِينِ ؟ » ( « 3 » ) .
هامش
( 1 ) - الكافي : 2 / 55 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب التفكّر ، ح 5 ؛ في ( الوافي : 4 / 384 ) بيان لهذا الحديث الذي قاله هنا آنفذ .
( 2 ) - في ب : وبالدار .
( 3 ) - الكافي : 2 / 54 - 55 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب التفكّر ، ح 2 ؛ قال المؤلّف في ( الوافي : 4 / 386 ) : « بيان : هذا التفكّر المفسّر به الحديث النبويّ دون الأوّلين في الفضل ؛ ولعلّ الحديث أعمّ منه ، وإنّما فسّر على قدر رتبة المخاطب ، فإنّ تفكّر كلّ أحد إنّما يكون بحسب رتبته » .