الفصل الثاني : في أنّ الذكر والحبّ متلازمان
إعلم : أنّ للذكر أوّلًا وآخراً .
فأوّله يوجب الحبّ والأنس ؛ والمطلوب منه ذلك الأنس ، فإنّ العبد في بداية الأمر يكون متكلّفاً بصرف قلبه ولسانه عن الوساوس إلى ذكر الله تعالى ، فإن وفّق للمداومة آنس به وانغرس في قلبه حبّ المذكور ، ومن أحبّ شيئاً أكثر ذكره ، ومن أكثر ذكر شئ وإن كان تكلّفاً أحبّه .
ثمّ إذا حصل الأنس بذكر الله انقطع عن غير الله ، وما سوى الله يفارقه عند الموت ، ولا يبقى إلّا ذكر الله ؛ فإن كان قد آنس به تمتّع به وتلذّذ بانقطاع العوائق الصارفة عنه ، إذ ضرورات الحاجات في الحياة الدنيا تصدّ عن ذكر الله ، ولا يبقى بعد الموت عائق ، فكأنّه خلّى بينه وبين محبوبه ، فعظمت غبطته ، وتخلّص من السجن الذي كان ممنوعاً فيه عمّا به آنسه ، وهذا الأنس يتلذّذ به العبد بعد موته إلى أن ينزل إلى جوار الله ويترقّى من الذكر إلى اللقاء .