أنّ السعداء لصفاء طَوِيتهم ( « 1 » ) وعدالة أخلاقهم يكون قرناؤهم في الصور الحسان والؤلؤ والمرجان ، والأشقياء لخبث عقائدهم وردائة أخلاقهم واعوجاج عاداتهم يكون جليسهم الحميم والزقّوم والعقارب والحيات ، إذ كما أنّ الأعمال مستتبعة للملكات في الدنيا بوجه فالملكات مستبعة للأعمال في الآخرة بوجه .
وهذا معنى قول النبي ( ص ) : « إنّ الجنّة قاع صفصف فأكثروا من غَراس الجنّة » ( « 2 » ) ، الحديث .
وما يحصل هناك من الصور هو أشدّ إيلاماً وإلذاذاً من هذه المحسوسات المؤذية والملذّة بكثير ، لصفاء المحلّ وقوّة الفاعل وعدم المشاغل وذكاء المدرك وانحصار القوى كلّها في قوّة واحدة هي المتخيلة وصيرورتها عيناً باصرةً للنفس وقدرةً فعالّةً وانقلاب العلم مشاهدةً ، فلا يخطر بالبال شئ في الجنّة تميل إليه النفس إلّا ويوجد في الحال بإذن الله ، أي يوجد بحيث يراه رؤية عيان في الخارج يحسّه حسّاً قوياً لا أقوى منه .
وإليه الإشارة بقوله ( ص ) : « إنّ في الجنّة سوقاً يباع فيه الصّور » ( « 3 » ) ، والسوق
هامش
( 1 ) - الطويّة : النيّة ، الضمير .
( 2 ) - وردت في المصادر الحديثيّة بهذا النصّ : « إنّ في الجنّة قيعاناً فأكثروا غرسها ، قالوا : يا رسول الله ! وما غرسها ؟ قال : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر » ، راجع : كنز العمال : 1 / 468 ، ح 2038 ؛ مجمع الزوائد : 10 / 89 ؛ المعجم الكبير : 6 / 240 ؛ بحار الأنوار : 18 / 409 ، باب 3 ، ح 120 ؛ وكذا راجع : تفسير كنز الدقائق : 1 / 192 ؛ قاع صفصف : أرض سهلة مطمئنّة لإنبات فيه ، غِراس : جمع الغرس .
( 3 ) - كنز العمال : 16 / 96 ، ح 44052 ؛ بحار الأنوار : 8 / 148 ، باب 23 ، ح 76 ؛ مسند أحمد : 1 / 156 ؛ متن الحديث كذلك : « إنّ في الجنّة سوقاً ما فيها شرى ولا بيع إلّا الصور من الرجال والنسّاء » .