القول في علل الشرايع
ثمّ يجب على النّبى أن يسنّن للناس في أمورهم سنناً بإذن الله وأمره ووحيه وإنزاله الرّوحَ القدس عليه ، ويكون الأصل الأوّل فيما يسنّه تعريفه إياهم أنّ لهم صانعاً واحداً قادراً ، وأنّه عالم بالسرّ والعلانية ، وأنّه من حقّه أن يطاع بأمره ؛ فإنّه يجب أن يكون الأمر لمن له الخلق ، وأنّه قد أعدّ لمن أطاعه النعيم ولمن عصاه الجحيم ، حتّى يتلقّوا رسمه المنزل على لسانه من الله والملائكة بالسّمع والطاعة .
ولا ينبغي له أن يشغلهم بشئ من معرفة الله فوق معرفته ، أنّه واحد حقّ لا شبيه له ، لئلّا يعظم عليهم الشغل ويشوّش فيما بين أيديهم الدّين ويوقعهم فيما لا مخلص عنه من الشكوك والشبه ، إلّا لمن كان المعان الموفّق الّذى يشذّ وجوده ويندر كونه ، فإنّهم لا يمكنهم تصوّر ذلك على وجهه إلّا بكدّ ( « 1 » ) ، فيقعوا في تنازع وآراء مختلفة مخالفة لصلاح الدينية ؛ بل يجب أن يعرفهم جلالةالله وعظمته برموز وأمثلة من الأشياء الّتى هي عندهم جليلة وعظيمة ، ويلقى إليهم مع هذا أنّه لا نظير له ولا شريك ولا شبيه .
وكذلك يقرّر لهم أمر المعاد على وجه يتصوّرون كيفيته وتسكن إليه نفوسهم ، ويضرب للسعادة والشقاوة أمثالًا ممّا يفهمونه ويتصوّرونه ؛ وإن اشتمل مع ذلك على رموز وإشارات يستدعى المستدعين بالحيلة للنظر إلى البحث الحكمي فلا بأس ؛ كذا قاله بعض العلماء .
هامش
( 1 ) - الكدّ : الشدّة ، الصلابة ، التعب .