الجسمانية معلومة بأنفسها لا بصورها المنتزعة عن موادّها ؟
قلنا : ذلك إنّما يكون في الأشياء التي لم يتحقّق للعالم بالإضافة إليها علاقة إيجادية وتسلّط فاعلي قهري وإشراق نوري من غير احتجاب ، كما أشار إليه بعضهم بقوله : « إنّ الشيء المادي والزماني بالنسبة إلى المبادي غير مادي ولا زماني ، يعني به ارتفاع أثر المادّة وأثر الزمان عنه وهو الخفاء والغيبة » « 1 » .
[ 8 ] أصل « 2 » في عدم التغيّر في علم اللَّه تعالى
فقد ثبت وتبيّن أنّ اللَّه سبحانه عالم بالموجودات كلّها في الأزل على ما هي عليه فيما لا يزال علماً ثابتاً ، لا يتغيّر بتغيّر المعلوم ولا يتفاوت بحدوث وجودات الأشياء ، فيما لا يزال بعد فقدانها في الأزل على ما هي عليه عندنا . وذلك لأنّه لا ينافي فقدانها في الأزل على ما هي عليه عندنا ؛ لأنّه إنّما يعلمها في الأزل بوجوهها التي عنده وبجميع أحوالها الثابتة لها في نفس الأمر . ومن جملة أحوالها الثابتة لها في نفس الأمر « 3 » أنّها بوجوهها التي عند أنفسها فيما لا يزال دون أن تكون في الأزل . وذلك لإحاطته جلّ وعزّ في الأزل بما لا يزال وما فيه كإحاطته بالأزل وما فيه ، فإنّه تعالى محيط بجميع الأزمنة والأمكنة وما فيها من الزمانيات والمكانيات ، كما أنّه محيط بما خرج عنها .
فإن قلت : إنّها لم تكن موجودة في الأزل ، فكيف أحاط بها في الأزل ؟
قلنا : إنّها وإن لم تكن موجودة في الأزل لأنفسها وبقياس بعضها إلى بعض على أن يكون الأزل ظرفاً لوجوداتها كذلك ، إلّاأنّها موجودة فيه للَّهسبحانه وجوداً جمعياً وحدانياً غير متغيّر ، بمعنى أنّ وجوداتها اللّا يزالية الحادثة ثابتة للَّهسبحانه في الأزل كذلك .
وهذا كما أنّ الموجودات الذهنيّة موجودة في الخارج ، إذا قيّدت بقيامها بالذهن ، وإذا
هامش
( 1 ) - المبدأ والمعاد ، ص 115 . وصدر المتألهين ذكر بعد هذا إيرادات واردة على مذهب الشيخ الإشراق .
( 2 ) - خ ل : وصل .
( 3 ) - خ ل : - ومن جملة أحوالها الثابتة لها في نفس الأمر .