[ 5 ] فصل في تحقيق أنّ علمه تعالى بالأشياء بعينه هذا الوجود المشاهد
الآن فلنفتّش ونفحّص هل ذلك الحصول هو بعينه هذا الوجود المشاهد من العالم ، أم هو حصول آخر غير هذا متقدّم على هذا . وهذا إنّما ينشأ به وبتوسّطه شيئاً فشيئاً .
فنقول : إنّ العارفين بالأمر على ما هو عليه بشهود وعيان لا يشكّون في أنّ هذا هو ذاك من وجه ، وأنّه غير ذاك من وجه آخر . وذلك لأنّهم يعلمون أنّ حصول الأشياء للَّهسبحانه وتحقّقها عنده ، وحضورها لديه ليس على نحو حصولها لنا ، وتحقّقها عندنا وحضورها لدينا كيف وحصولها له عزّ وجلّ حصول لفاعلها وموجدها ومنشأها ومحدثها ولمن هو محيط بها ويشاهدها على ما هي عليه . وحصولها لنا حصول لمن لم يفعلها ولم يحط بها ولم يشاهدها على ما هي عليه ، فللأشياء وجهان :
وجه إلى الحقّ سبحانه ؛ وهي من هذا الوجه حاصل له ، متحقّق عنده ، حاضر لديه في الأزل حصولًا جمعياً وحدانياً غير متكثّر ولا متغيّر باق . وبالجملة على ما يناسب ذاته سبحانه وصفاته وأفعاله .
ووجه آخر إلينا ؛ وهي من هذا الوجه لم تحصل ولم تتحقّق ولم توجد إلّافي ما لا يزال وجوداً متفرّقاً متكثّراً متغيراً نافداً . وبالجملة على ما يناسب ذواتنا ، فالوجود واحد والوجه اثنان .
وإليه أشير بقوله عزّ وجلّ :
« ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ »
« 1 » . وبقوله سبحانه :
« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ »
« 2 » ، أي حقيقته التي منه عند ربّه . ولمّا كان اللَّه سبحانه محيطاً بنا ، وهو معنا أينما كنّا « 3 » ؛ بل هو أقرب إلينا منّا « 4 » ، فهو يشاهد الأشياء بهذا الوجه الذي نشاهدها بعينه ، أيضاً بعين مشاهدتنا إيّاها ، فإذن لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض
هامش
( 1 ) - النحل : 96 .
( 2 ) - القصص : 88 .
( 3 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ». [ الحديد : 4 ]
( 4 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ » .[ الواقعة : 85 ]