ألا ترى أنّ جسد الإنسان الذي يخلق من دم الطمث « 1 » والمني في الرحم ؟ كيف يتمحّض ويتميّز ، ويصير بعضه عظاماً صلبة ، وبعضه لحماً أحمر ، وبعضه شحماً دسماً أصفر ، وبعضه عروقاً مجوّفة إلى غير ذلك في مدّة معلومة وأجل مسمّى !
كذلك أجزاء تمام عالم الخلق ، فمن عجز فهمه عن تصوّر كيفيّة تكوين الجسد عن دم الطمث ، فهو عن تصوّر كيفيّة تركيب الأفلاك والأرضين أبعد وهو بهما أجهل . قال اللَّه تعالى :
« لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ »
« 2 »
.
[ 19 ] وصل في تقدّم الباري سبحانه على الموجودات
وليعلم ، أنّ الأركان الأربعة متقدّمة الوجود على مولّداتها بالأيّام والشهور والسنين .
والأفلاك متقدّمة الوجود على الأركان بالأزمان والأدوار والقرانات ، وعالم الأرواح متقدّم الوجود على عالم الأفلاك بالدهور الطوال التي لا تحصى ، [ و ] الباري سبحانه متقدّم الوجود على الكلّ ، كتقدّم الواحد على جميع العدد من غير أوقات ولا أمد .
[ 20 ] وصلفي بعض ما ورد من الأخبار في حدوث العالم الدائمي
روى أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي في كتاب الخطب لأمير المؤمنين عليه السلام : أنّ رجلًا قال لأمير المؤمنين عليه السلام في حديث طويل : ( . . . كم مقدار ما لبث عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض والسماء ؟ فقال علي عليه السلام : أتحسن أن تحسب ؟ قال الرجل : نعم . قال عليه السلام للرجل : لعلّك لا تحسن أن تحسب . قال الرجل : بلى ، إنّي أحسن « 3 » . قال علي عليه السلام : أفرأيت لو كان صبيب خردل « 4 » في الأرض ، حتّى سدّ الهواء وما بين الأرض والسماء ، ثمّ أذن لمثلك على
هامش
( 1 ) - طمثت المرأة : حاضت .
( 2 ) - غافر : 57 .
( 3 ) - في بحار الأنوار : « بلى ، إنّى لأحسن أن أحسب » .
( 4 ) - في بحار الأنوار : « أرأيت إن صبّ خردل » .