عِنْدَ اللَّهِ باقٍ »
« 1 » و
« يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ »
« 2 » من خزائن الجود وينابيع الوجود من غير أن تنقص ؛ بل تزداد ويفيض .
ويظهر هذا المعنى في الماء الجاري ، فإنّه في كلّ آن يدخل قطعة منه في النهر ، ثمّ يذهب ويدخل أخرى مع أنّها يرى واحداً بالشخص دائماً . وفي النار المشتعلة من الدهن والفتيلة ، فإنّه في كلّ آن يدخل منهما شيء في تلك النارية وتصف بصفة النورية ، ثمّ يذهب تلك الصورة بصيرورته هواء . هكذا شأن العالم بأسره ، فإنّه يستمدّ دائماً من الخزائن الإلهيّة ، فيفيض منها ويرجع إليها :
« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ »
« 3 »
.
ومن هذا عبّر اللَّه سبحانه من المخلوقات بالكلمات « 4 » ؛ لأنّها يشبه الكلمات في النشأة الإنسانية في عدم القرار والثبات .
[ 16 ] وصلتمثيل
وممّا يؤيّد هذا ، أنّ ضوء الشمس إذا وقعت على اليد مثلًا ، ثمّ زالت محاذاة اليد انعدم الضوء عنها البتّة ووقع على شيء آخر مكانها ، ثمّ إذا حافته اليد ثانياً عاد إليها الضوء .
وظاهر أنّ هذا الضوء الذي عاد إليها غير الضوء الذي كان عليها أوّلًا . وهذا دليل على أنّه يتجدّد عليها آناً فآناً حين استمرار المحاذاة أيضاً ، فكذلك كلّ ما كان من شيء في شيء .
[ 17 ] وصلفي أنّ أمر اللَّه واحد
فامداد الحقّ واصل إلى العالم في كلّ نفس . وفي التحقيق الأتمّ ليس إلّاأمر واحد يظهر له
هامش
( 1 ) - النحل : 96 .
( 2 ) - المائدة : 64 .
( 3 ) - الرعد : 39 .
( 4 ) - في حاشية نسخة : وهذه الكلمات غير كلمات اللَّه التامات التي هي الكمّل من عباده المكرمين الذين« لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ »[ أنبياء : 27 ] . والتعبير عنهم بها ، لأنّهم يشبهون الكلمات في وعاء الدهر والنشأة الباقية ببقاء اللَّه ، فلها قرار وثبات كما لا يخفى .