[ 4 ] أصل في معنى الحدوث
اعلم ، أنّ للحدوث معنيين : أحدهما ، الحدوث الذاتي وهو أن يكون ذات الحادث مسبوقاً بذات المحدث . والآخر ، الحدوث الزماني وهو أن يكون زمان وجود الحادث مسبوقاً بزمان عدمه .
والمعنى الأوّل يجري في كلّ ما سوى اللَّه ، وهو ثابت في كلّ ما يجري فيه . والمعنى الثاني إنّما يجري في ما يدخل تحت الزمان دون ما تقدّم على الزمان ، وهو أيضاً ثابت في كلّ ما يجري فيه ، لا يشذّ عنه شاذّ . ولنبدأ أوّلًا ببيان المعنى الأوّل وإثباته في كلّ ما سوى اللَّه ، ثمّ نردفه ببيان الثاني « 1 » وإثباته في جميع ما يجري ، فانصت .
[ 5 ] أصل في حدوث الذاتي
المصنوع يمتنع أن يكون في مرتبة ذات الصانع ، لأنّ معنى الفاعلية والمفعولية ليس إلّا تقدّم ذات على ذات ، توجد الثانية من الأولى . ولو كانتا معاً لكان الفعل تحصيلًا للحاصل ، فكان الصانع في أزل قدمه والمصنوع بعد في حيّز عدمه ، فكان الصانع ولا مصنوع ، ثمّ حدث المصنوع بإحداث الصانع إيّاه . وبهذا ثبت حدوث العالم بالمعنى الأوّل ، إذ ثبت وجود الصانع بالفطر والنظر والعبر .
وهذا معنى حديث :
( كان اللَّه ولم يكن معه شيء ) ،
ومعنى قول من قال : « الآن كما عليه كان » « 2 » . فمعنى « كان » هنا معناها في قوله عزّ وجلّ :
« وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً »
« 3 » ، فهو
هامش
( 1 ) - المعنى الثاني يجيء في الأصل العاشر .
( 2 ) - في حاشية نسخة : نسب هذا القول إلى بعض الحكماء ، قال الجنيد عند سماعه لهذا الحديث : « والآن كما كان » [ راجع : شرح فصوص الحكم للقيصري ، ص 390 ] . وكأنّه قد أخذ عن أهل بيت العلم والحكمة والعصمة عليهم السلام ، فقد روي عن مولانا وإمامنا وسيّدنا الإمام الكاظم عليه السلام . أشار إلى الحديث في بحار الأنوار عنه عليه السلام : « إنّ اللَّه تبارك وتعالى كان لم يزل بلا زمان ولا مكان وهو الآن كما كان » . [ بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 327 ]
( 3 ) - النساء : 17 .