الزمان . وليس الزمان إلّاعدد حركة الفلك ، كما أنّ المكان ليس إلّاما أحاط بالفلك أو ملأه الفلك ، فإذا لم يكن فلك ، فلا زمان ولا مكان ؛ فلمّا أبدع اللَّه عزّ وجلّ الفلك وما فيه من الأجسام وأداره وجد المكان والزمان . وذلك بعد ما أبدع جلّ ذكره كثيراً من الأرواح والأملاك وما عمّر به الأفلاك ، فالزمان إنّما حدث بعد حصول كرائم الموجودات وعظائمها ، وبعد حصول أركان المخلوقات ودعائمها .
وقد ثبت ذلك بالبراهين وقوائمها ، فالتقدّم الزماني منتف في حقّ اللَّه سبحانه وفي حقّ ابتداء العالم ، والتعطيل غير جائز في حقّ مفيض الجود والكرم ، والفراغ ممتنع عن إفاضة الوجود ، والبخل محال عن الجواد عن الجود ، تلك مقالة اليهود حيث قالوا :
« يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ »
« 1 »
،
وجوده مقدّس عن الزمان وكيف يتقيّد خالق الزمان بالزمان وهو موجود بذاته لذاته غير مفتقر إلى شيء من مخلوقاته ، واحد أحد متوحّد من غير قلّة ، ليس بمعلول ولا علّة ؛ بل هو خالق المعلولات والعلل وجاعل الثواني والأول ، كذلك لا يزال ولم يزل ، والعالم موجود باللَّه عزّ وجلّ لا بذاته ، مرتبط ذاته بذات اللَّه وصفاته ، منزّه ابتداؤه عن الزمان وأوقاته ، كذلك لا يزال ولم يزل .
[ 2 ] فصل في معنى الأزل
ومنهم من سمّى ذلك الامتداد بالأزل ونعت به الربّ تعالى وجلّ . فقال له : الأزلي ، وزعم أنّ نسبته إلى اللَّه تعالى كنسبة الزمان إلينا ، فهو في الأزل ، كما نحن في الزمان .
فيقال له : لا يخلو هذا الأزل الذي نسبته إلى اللَّه تعالى ، إمّا أن يكون وجوداً أو عدماً . فإن كان عدماً ، فهو لا شيء محض ويمتنع أن ينعت به الباري سبحانه . وإن كان وجوداً ، فهو إمّا أن يكون نفس الباري أو غيره .
فإن قال : إنّه نفس الباري ، فقد وافقنا في أن لا قديم إلّااللَّه سبحانه وإن أخطأ في التسمية
هامش
( 1 ) - المائدة : 64 .