العدم وأن لا مدخل لتناهي سلسلة الزمان في حدوثه ولا للّا تناهيه في القدم ، فإنّ صاحب الشرع وأوصيائه - صلوات اللَّه عليهم - كلّما سئلوا عن الدليل على حدوث العالم أخذوا يستدلّون على إثبات الحدوث ووجود الصانع ، لا على تناهي زمان العالم .
وإن كان ذلك أيضاً حقّاً والبرهان عليه قائماً ، إلّاأنّه حديث آخر لا مدخل له في الحدوث ، والإحداث بالنسبة إلى العالم . وذلك لأنّ الآجال تنتهي في المخلوق بانتهاء المدد ، وأمّا الخلق فمع الأنفاس يتجدّد ، فمعنى حدوث العالم ليس إلّاأنّ فاطره عزّ وجلّ شقّ غسق « 1 » ليل عدمه بفلق « 2 » نهار الوجود ، ومبدعه سبحانه أظهر صنعه في خفاء الليس إلى فضاء الأيس والشهود ، وموجده تعالى أبرز غيبه إلى عرصة الظهور والعيان بعد ما كان كامناً تحت سرادقات غيب الإمكان ، وخالقه عزّ وجلّ دلع « 3 » لسان صباح وجوده بنطق تبلّجه « 4 » وسرح قطع ليل عدمه المظلم بغياهب « 5 » تلجلجه « 6 » ، وصانعه جلّ ذكره شعشع ضياء شمس إبداعه بنور تأجّجه « 7 » وأتقن صنع فلك تكوينه في مقادير تبرّجه ، دلّ على ذاته بذاته وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته وأظهر صفاته في عجائب مصنوعاته ، قرب من خواطر الظنون وبعد عن ملاحظة العيون وعلم بما كان قبل أن يكون « 8 » .
فإن أردت أن تطّلع على مائيّة هذا الحدوث والتأخّر ، فاستمع .
هامش
( 1 ) - الغسق : ظلمة أوّل الليل .
( 2 ) - الفلق : الصبح .
( 3 ) - دلع لسانه : أخرجه من فمه .
( 4 ) - تبلّج إليه : ضحك وهشّ ، وتبلّج الصبح : أشرق وأضاء .
( 5 ) - غياهب : جمع الغيهب ، الظلمة .
( 6 ) - التلجلج : التردّد والاضطراب . وغياهب تلجلجه ؛ كناية من شدّة الظلمة ، كأنّها تموج وتتحرّك .
( 7 ) - تأجّج : التهب . وتأجّجت النار : اشتدّ حرّها .
( 8 ) - في بحار الأنوار ، ج 84 ، ص 339 ، ح 91 : كان أمير المؤمنين عليه السلام يدعو بعد ركعتي الفجر بهذا الدعاء : ( بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، اللهمّ يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلّجه وسرح قطع الليل المظلم بغياهب تلجلجه وأتقن صنع الفلك الدوّار في مقادير تبرّجه وشعشع ضياء الشمس بنور تأجّجه ، يا من دلّ على ذاته بذاته وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته وجلّ عن ملائمة كيفيّاته ، يا من قرب من خطرات الظنون وبعد عن لحظات العيون وعلم بما كان قبل أن يكون . . . ) .