والمعنى .
وإن قال : إنّه غير الباري ، فلا يخلو إمّا أن يكون قائماً بنفسه أو بغيره . وعلى الأوّل يبطل الوحدانية للَّهسبحانه ، وعلى الثاني لا يخلو ذلك الغير إمّا أن يكون نفس الباري أم لا ؛ فإن كان نفس الباري ، فهو له كعلمه وقدرته وسائر صفاته الأزلية ، فيرجع منعوتاً بالأزل .
والكلام في الأزل المنعوت به الأزل ، كالكلام في الأزل الأول ويتسلسل . وإن كان غير الباري ، فقد أثبت قديماً آخر وأبطل الوحدانية ، على أنّ ذلك الذي يقوم به الأزل هو الموصوف بالأزلي لا الباري ؛ لأنّ المعاني إنّما توجب أحكامها لمن قامت به ، فبطل وصفه الباري بالأزلي .
إن قلت : فما معنى الأزل ؟
فاعلم ، أنّ الأزل عبارة عن معقول القبلية المحكوم بها اللَّه عزّ وجلّ من حيث تقدّمه على الحادثات بزمان مطاول العهد ، فيحكم له بالأزل الآن كما كان يحكم له به قبل وجودنا لم يتغيّر عن أزليّته ولا يزال أزله في أبد الآباد ، فهو حكم له ذاتي استحقّه لكماله ليس لشيء من المخلوقات فيه وجود لا حكماً ولا عيناً . وهو لا يوصف بالوجود ؛ لأنّه أمر حكمي لا عيني ، ولا بالعدم ؛ لأنّه يقبل النسبة والحكم ، والعدم المحض لا يقبلهما . ولك أن تجعله نعتاً سلبياً وتفسّره بانتفاء البدأ عن وجوده عزّ وجلّ وانتفاء مسبوقيّته بالعدم في نفس قبليّته على العالم ، فيرجع معنى القدم .
وإذا تمهّد هذا ، فلنكشف القناع « 1 » عن وجه المقصود ، فألق سمعك وأنت شهيد « 2 » .
[ 3 ] أصل لا معنى للحدوث في الأخبار سوى أنّ للعالم محدثاً أحدثه من صرف الليس
قد ثبت في القواعد الشرائع واستقام في قوانين الحكمة ، كما يظهر من تتبّع الأخبار واقتضاء الآثار أن لا معنى لحدوث العالم سوى أنّ له محدثاً أحدثه من صرف الليس وبحت
هامش
( 1 ) - القناع : ما تغطّى به المرأة رأسها .
( 2 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ » .[ ق : 37 ]