بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً »
« 1 » . وهذه أمور لا يعلم تأويله إلّااللَّه والراسخون في العلم « 2 » .
[ 14 ] فصل « 3 »
اعلم ، أنّ التوحيد يورث قصر النظر على مسبّب الأسباب ، والإيمان بالرحمة وسعتها يورث الثقة بمسبّب الأسباب . والثقة بمسبّب الأسباب يورث التوكّل عليه ، وطمأنينة القلب إلى حسن نظره لعبده ، والطريق إليه أن يصدق العبد تصديقاً يقينيّاً لا ضعف فيه .
ولا ريب أنّ اللَّه سبحانه لو خلق الخلائق كلّهم على عقل أعقلهم وعلم أعلمهم ، وخلق لهم من العلم ما يحتمله نفوسهم وأفاض عليهم من الحكمة ما لا منتهى لوضعها ؛ ثمّ ازداد مثل عدد جميعهم علماً وحكمة وعقلًا ؛ ثمّ كشّف لهم عواقب الأمور واطّلعهم على أسرار الملكوت وعرّفهم دقائق اللطف وخفايا العقوبات ، حتّى اطّلعوا على الخير والشرّ والنفع والضرّ ؛ ثمّ أمرهم أن يدبّروا الملك والملكوت بما أعطوا من العلوم والحكمة لما اقتضى تدبير جميعهم مع التعاون والتظاهر عليه ، أن يزداد فيما دبّر اللَّه سبحانه به في الدنيا والآخرة جناح بعوضة ، ولا أن ينقص منها جناح بعوضة ، ولا أن يرفع فيها ذرّة أو يحفض « 4 » منها ذرّة ، ولا أن يدفع مرض أو عيب أو نقص أو فقر أو ضرّ عمّن بلى به ، ولا أن يزال صحّة أو جمال أو غنى أو نفع عمّن أنعم به عليه ، بل كلّ ما خلق اللَّه تعالى من السماوات والأرض إذا رجعوا فيها البصر ، وطوّلوا فيها النظر ما رأوا فيها من تفاوت ولا فطور « 5 » .
وكلّ ما قسّم اللَّه بين عباده من رزق وأجل وسرور وفرح وهمّ وغمّ وعجز وقدرة وإيمان وكفر وطاعة ومعصية ، فكلّه عدل محض لا جور فيه ، وحقّ صرف لا ظلم فيه ؛ بل هو
هامش
( 1 ) - الطلاق : 12 .
( 2 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » .[ آل عمران : 7 ]
( 3 ) - راجع : المحجّة ( ربع المنجيات ، كتاب التوحيد والتوكل ، ذيل بيان حقيقة التوحيد الذي هو أصل التوكّل ) ، ج 7 ، ص 403 .
( 4 ) - حفض يحفض حفضاً ، وحفّض الشيء : ألقاه من يده .
( 5 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ » .[ الملك : 3 ]