فاخمد « 1 » ضرام « 2 » أوهامك أيّها الجبري ! فالفعل ثابت لك بمباشرتك إيّاه وقيامه بك ، وسكّن جأشك « 3 » أيّها القدري ! فإنّ الفعل منك من حيث أنت أنت ؛ لأنّ وجودك إذا قطع النظر عن ارتباطه بوجود الحقّ ، فهو باطل . فكذا أفعالك ، إذ كلّ فعل متقوّم بوجود فاعله .
وانظرا جميعاً بعين الاعتبار في فعل الحواس كيف انمحى وانطوى في فعل الناس وتصوّرها في تصوّر النفس واتلوا جميعاً قوله تعالى :
« قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ »
« 4 » . وتصالحا بقول
الإمام بالحقّ جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام : ( لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين « 5 » ) « 6 » .
قال اللَّه تعالى :
« وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ »
« 7 » . أثبت المشيّة للعبد ، فنفى به الجبر . وجعلها بعد مشيّة اللَّه ، فنفى به التفويض .
وقال ذلك بما كسبت يداك « 8 » وما كسبت يداه إلّاباللَّه لا من دون اللَّه ، فيكون وهناً في سلطانه ولا مع اللَّه ، فيكون شركاء باللَّه ، فبيد العباد طاعة اللَّه ومعصية اللَّه إلّاأنّه لا حول عن المعصية ولا قوّة على الطاعة إلّاباللَّه ، ولا مشيّة إلّابعد مشيّة اللَّه . والتنزيه والحسنات والمحامد ترجع إلى مقام الوحدة ، والتشبيه والسيّئات والمذام ترجع إلى محال الكثرة ، فسبحان من تنزّه عن الفحشاء وسبحان من لا يجري في ملكه إلّاما يشاء « 9 » .
هامش
( 1 ) - وخمدت النار خموداً : سكن لهبها ، أطفأ .
( 2 ) - الضرام : ما اشتعل من الحطب .
( 3 ) - جأش : الاضطراب .
( 4 ) - التوبة : 14 .
( 5 ) - « فاخمد ضرام أوهامك . . . لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين » مقتبس من كلام صدرالمتألهين فيشواهد الربوبية ( المشهد الأوّل ، الشاهد الثالث ، الإشراق الثاني عشر ) ، ص 58 . والفيض رحمه الله أورده أيضاً في كتاب أنوار الحكمة ، ص 115 . وأشار إلى إقتباسه بقوله : « كذا أفاد أستادنا . . . » .
( 6 ) - بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 197 .
( 7 ) - التكوير : 29 .
( 8 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ » .[ الشورى : 30 ]
( 9 ) - في الحكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام : سئل عن القدر .
فقال : ( أقصر أم أطيل ؟ قيل : بل تقصر . فقال : جلّ اللَّه أن يريد الفحشاء وعزّ أن يكون له في الملك إلّاما يشاء ) .
[ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 20 ، ص 268 ]