[ 15 ] فصل « 1 »
اعلم ، أنّ المخلوقات مع تباينهما في الذوات والصفات والأفعال ، وترتّبها في القرب والبعد من الحقّ الأوّل . والذات الأحدية تجمعها حقيقة واحدة إلهية جامعة لجميع حقائقها وطبقاتها ، لا بمعنى أنّ المركّب من المجموع شيء واحد هو الحقّ سبحانه حاشا الجناب الإلهي عن وصمة الكثرة والتركّب ، بل هو هو والأشياء أشياء ، بل بمعنى أنّ تلك الحقيقة الإلهية مع أنّها في غاية البساطة . والأحدية ينفد نورها في أقطار السماوات والأرضين ، فما من ذرّة إلّا وهو محيط بها قاهر عليها ظاهر فيها ، كما
قال إمام الموحّدين أمير المؤمنين عليه السلام : ( مع كلّ شيء لا بمقارنة وغير كلّ شيء لا بمزايلة ) « 2 » .
وكذلك لصفات المخلوقات جهة وحدة إلهية جامعة للجميع ، فإنّ السمع والبصر وغيرهما من الصفات في أيّ موصوف كان هو للَّهسبحانه حقيقة . ولذلك قال :
« هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ »
« 3 » بعين بصر كلّ بصير . وقال :
« هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
« 4 » ، أي بعين كلّ حياة .
وفي الحديث القدسي : ( فبي يسمع وبي يبصر ) « 5 » .
وكذلك الأفعال ؛ فإنّها منسوبة إلى الموجودات من ذلك الوجه - الذي ينسب إلى الحقّ - بعينه أمر متحقّق في الواقع ، وهو شأن من شؤون الحقّ سبحانه ، ولمعة من لمعاته ، ومظهر من مظاهره ، فكذلك هو فاعل لما يصدر عنه بالحقيقة لا بالمجاز . ومع ذلك ، ففعله أحد أفاعيل الحقّ تعالى بلا شوب قصور وتشبيه - تعالى عن ذلك - ، كما قال تعالى :
« وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى »
« 6 » .
هامش
( 1 ) - لم نجد هذه الفقرة في المحجّة ، أمّا في الأسفار الأربعة كلام كأنّه مصدر صدر هذه الفقرة : « وذهبت طائفة أخرى وهم الراسخون في العلم وهم أهل اللَّه خاصة إلى انّ الموجودات مع تباينها . . . وغير كلّ شيء لا بمزايلة » . [ الأسفار الأربعة ، ج 6 ، ص 372 - 373 ]
( 2 ) - نهج البلاغة ، الخطبة 1 .
( 3 ) - الإسراء : 1 ؛ غافر : 56 .
( 4 ) - غافر : 65 .
( 5 ) - بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 205 .
( 6 ) - الأنفال : 17 .