[ 9 ] وصل « 1 »
فإن قلت : كيف الجمع بين التوحيد والشرع ومعنى التوحيد أن لا فاعل إلّااللَّه ومعنى الشرع إثبات الأفعال للعباد ؟ ! فإن كان العبد فاعلًا ، فكيف يكون اللَّه فاعلًا ؟ وإن كان اللَّه فاعلًا فكيف يكون العبد فاعلًا ، ومفعول بين فاعلين غير مفهوم ؟ !
فأقول : نعم ، ذلك غير مفهوم ، إذا كان للفاعل معنى واحد ، وإن كان له معنيان ويكون الاسم مجملًا مردّداً بينهما لم يتناقض ، كما يقال : « قتل الأمير فلاناً » ويقال : « قتله الجلّاد » ولكنّ الأمير قاتل بمعنى والجلّاد بمعنى آخر . وكذلك العبد فاعل بمعنى واللَّه تعالى فاعل بمعنى آخر ، فمعنى كون اللَّه فاعلًا أنّه المخترع الموجد ومعنى كون العبد فاعلًا أنّه المحل الذي خلق فيه القدرة بعد أن خلق فيه الإرادة وبعد أن خلق فيه العلم ، فارتبطت القدرة بالإرادة والحركة بالقدرة ارتباط الشرط بالمشروط وارتبط بقدرة اللَّه ارتباط المعلول بالعلّة وارتباط المخترع بالمخترع . وكلّ ما له ارتباط بقدرة ؛ فإنّ محل القدرة يسمّى فاعلًا له كيف ما كان الارتباط ، كما يسمّى الجلّاد قاتلًا والأمير قاتلًا ، لأنّ القتل ارتبط بقدرتهما ولكنّ على وجهين مختلفين ، فلذلك يسمّى فعلًا لهما ، فكذلك ارتباط المقدور بين القدرتين ، ولأجل توافق ذلك وتطابقه نسب اللَّه الأفعال في القرآن مرّة إلى الملائكة ومرّة إلى العباد ونسبها بعينها مرّة أخرى إلى نفسه ، فقال تعالى في الموت :
« قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ »
« 2 » ، ثّم قال :
« اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها »
« 3 » . وقال :
« فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا »
« 4 » ، ثمّ قال :
« فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا »
« 5 » . وكان النافخ جبرئيل وقال :
« قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ »
« 6 » ، فأضاف القتل إليهم والتعذيب إلى نفسه والتعذيب هو عين القتل ، بل صرّح وقال :
هامش
( 1 ) - راجع : المحجّة ، ج 7 ، ص 400 .
( 2 ) - السجدة : 11 .
( 3 ) - الزمر : 42 .
( 4 ) - مريم : 17 .
( 5 ) - التحريم : 12 .
( 6 ) - التوبة : 14 .