يجرّ رقبة نفسه لم يمكنه ذلك ، لا لعدم القدرة في اليد ولا لعدم السكّين ، ولكن لفقد الإرادة الداعية المشخّصة للقدرة . وإنّما فقدت الإرادة ، لأنّها تنبعث بحكم العقل أو الحسّ بكون الفعل موافقاً وقتله نفسه ليس موافقاً له ، فلا يمكنه مع قوّة الأعضاء أن يقتل نفسه إلّاإذا كان في عقوبة مؤلمة لا تطاق ، فإنّ العقل هاهنا يتوقّف في الحكم ويتردّد ؛ لأنّه يتردّد بين شرّ الشرّين ، فإن ترجّح له بعد الرويّة أنّ ترك القتل أقلّ شرّاً لم يمكنه قتل نفسه وإن حكم بأنّ القتل أقلّ شرّاً وكان حكمه جزماً لا ميل فيه ولا صارف منه انبعث الإرادة والقدرة وأهلك نفسه ، كالذي يتبع بالسيف ليقتل ، فإنّه يرمي نفسه من السطح وإن كان مهلكاً ولا يبالي ولا يمكنه أن لا يرمي نفسه . وإن كان يتبع بضرب خفيف ، فإذا انتهى إلى طرف السطح حكم العقل بأنّ الضرب أهون من الرمي ، فوقفت أعضاؤه ، فلا يمكنه أن يرمي نفسه ولا ينبعث له داعية البتة ، لأنّ داعية الإرادة مسخّرة لحكم العقل والحسّ ، والقدرة مسخّرة للداعية ، والحركة مسخّرة للقدرة . والكلّ يصدر بالضرورة « 1 » منه من حيث لا يدري ، فإنّه محل ومجرى لهذه الأمور ، فأمّا أن يكون منه فكلا ولا .
فإذن معنى كونه مجبوراً ، أنّ جميع ذلك حاصل من غيره لا منه . ومعنى كونه مختاراً أنّه محل الإرادة حدثت فيه جبراً بعد حكم العقل بكون الفعل خيراً وحدث الحكم أيضاً جبراً ، فإذن هو مجبور على الاختيار .
ففعل النار في الإحراق مثلًا جبر محض وفعل اللَّه اختيار محض وفعل الإنسان على منزلة بين المنزلتين ؛ فإنّه جبر على الاختيار وليس مناقضاً للجبر ولا للاختيار ، بل هو جامع بينهما عند من فهمه .
ويسمّى فعل اللَّه اختياراً بشرط أن لا يفهم من الاختيار إرادة بعد تحيّر وتردّد ، فإنّ ذلك في حقّه محال وجميع الألفاظ المذكورة في اللغات لا يمكن أن يستعمل في حقّ اللَّه ، إلّا على نوع من الاستعارة والتجوّز . وذكر ذلك لا يليق بهذا العلم ويطول القول فيه « 2 » .
هامش
( 1 ) - في المحجّة : والكلّ مقدّر بالضرورة .
( 2 ) - زاد في المحجّة بعد هذا عبارات فراجع : ج 7 ، ص 399 .