هالك إلّاوجهه « 1 » وأنّ ذلك صدق في كلّ حال أزلًا وأبداً ، لأنّ الغير هو الذي يتصوّر أن يكون له بنفسه قوام . ومثل هذا الغير الذي يتصوّر لا وجود له ، بل هو محال أن يوجد ، إذ الموجود المحقّق هو القائم بنفسه وما ليس له بنفسه قوام ، فليس له بنفسه وجود ، بل هو قائم بغيره ، فهو موجود بغيره . فإن اعتبر ذاته ولم يلتفت إلى غيره ، لم يكن له وجود البتة . وإنّما الموجود هو القائم بنفسه والقائم بنفسه هو الذي لو قدّر عدم غيره بقي موجوداً ، فإن كان مع قيامه بنفسه يقوم بوجوده وجود غيره ، فهو قيّوم ولا قيوم إلّاواحد ولا يتصوّر أن يكون غير ذلك ، فإذاً ليس في الوجود غير الحيّ القيّوم وهو الواحد الصمد . فإن نظرت من هذا المقام ، علمت أنّ الكل منه مصدره وإليه مرجعه ، فهو الشاكر وهو المشكور وهو المحبّ وهو المحبوب وهو المثنّي وهو المثنّى عليه « 2 » . ويعبّر أهل المعرفة « 3 » عن هذه الحالة بفناء النفس ، أي فنى عن نفسه وعن غير اللَّه ولم ير إلّااللَّه .
فمن لم يفهم هذا ، ينكر عليهم ويقول : كيف فنى وطول طلله « 4 » أربعة أذرع ولعلّه يأكل في كلّ يوم أرطالًا من الخبز ، فيضحك عليهم الجهّال لجهلهم بمعاني كلامهم وضرورة [ قول ] العارفين أن يكونوا ضحكة للجاهلين وإليه الإشارة بقول تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ »
« 5 »
.
الثاني : نظر من يبلغ إلى مقام الفناء عن نفسه وهؤلاء قسمان : قسم لم يثبتوا إلّاوجود أنفسهم وأنكروا أن يكون لهم ربّ يعبد وهؤلاء هم العميان المنكوسون « 6 » وعماهم في كلتي العينين ، لأنّهم نفوا ما هو الثابت تحقيقاً وهو القيّوم الذي هو قائم بنفسه و :
« قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ »
« 7 » . وكلّ قائم ، فقائم به ولم يقتصرا على هذا ، حتّى أثبتوا أنفسهم ولو عرفوا
هامش
( 1 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ». [ القصص : 88 ]
( 2 ) - جاءت في المحجّة بعد هذا عبارات فراجع : ج 7 ، ص 153 .
( 3 ) - في المحجّة : وتعبّر الصوفية .
( 4 ) - طلل : كلّ شيء شخصه . وفي المحجّة : ظلّه .
( 5 ) - المطفّفين : 29 .
( 6 ) - المنكوس : المقلوب .
( 7 ) - الرعد : 33 .