ذلك ؛ بل لو كشف الغطاء لما ازداد يقيناً « 1 » وإن كان يزداد وضوحاً ، كما أنّ الذي يرى إنساناً في وقت الأسفار « 2 » لا يزداد يقيناً عند طلوع الشمس بأنّه إنسان ولكن يزداد وضوحاً في تفصيل خلقته . وما مثال أهل المعرفة والمعتقدين من دون عرفان إلّاكسحرة فرعون مع أصحاب السامري ، فإنّ سحرة فرعون لمّا أن كانوا مطّلعين على منتهى تأثير السحر لطول مشاهدتهم وتجربتهم فرأوا من موسى ما جاوز حدود السحر انكشف لهم حقيقة الأمر ، فلم يكترثوا « 3 » بقول فرعون :
« فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ »
« 4 » ، بل
« قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا »
« 5 » ، فإنّ البيان والعرفان يمنع التغيّر .
وأمّا أصحاب السامري لمّا كان إيمانهم عن النظر إلى ظاهر الثعبان ، فلمّا نظروا إلى عجل السامري وسمعوا خواره تغيّروا وسمعوا قوله :
« هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى »
« 6 » ونسوا أنّه :
« أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً »
« 7 »
،
فكلّ من آمن بالنظر إلى الثعبان ، فيكفر لا محالة إذا نظر إلى عجل ، لأنّ كليهما من عالم الشهادة والاختلاف والتضاد في العالم الشهادة كثيرة .
وأمّا عالم الملكوت ، فهو من عند اللَّه ، فلذلك لا تجد فيه اختلافاً ولا تناقضاً أصلًا .
[ 7 ] وصل « 8 »
فإن قلت : ما ذكرته من التوحيد ظاهر ممّا ثبت أنّ الوسائط والأسباب مسخّرات . وكلّ ذلك ظاهر إلّافي حركات الإنسان ، فإنّه يتحرّك إن شاء ويسكن إن شاء ، فكيف يكون مسخّراً ؟
هامش
( 1 ) - إشارة إلى قول أمير المؤمنين عليه السلام : ( لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً ) . [ بحار الأنوار ، ج 40 ، ص 153 ]
( 2 ) - الأسفار جمع السفر : الوقت الذي بعيد غياب الشمس .
( 3 ) - اكترث بالأمر : بالى به .
( 4 ) - طه : 71 .
( 5 ) - طه : 72 - 73 .
( 6 ) - طه : 88 .
( 7 ) - طه : 89 .
( 8 ) - راجع : المحجّة ، ج 7 ، ص 396 .