يسمّى الإرادة ولا أعرفه إلّاباسمه وبهجومه وصياله ، إذ أزعجني من غمرة « 1 » النوم وأرهقني إلى ما كان لي مندوحة « 2 » عنه لو خلأني ورائي .
فقال : صدقت . ثمّ سأل الإرادة : ما الذي حدّاك على هذه القدرة الساكنة المطمئنّة ، حتّى صرفتها إلى التحريك وأرهقتها إليه إرهاقاً لم يجد عنه مخلصاً ومناصاً ؟
فقالت الإرادة : لا تعجل عليّ ، فلعلّ لنا عذراً وأنت تلوم ! فإنّي ما انتهضت بنفسي ولكنّي أنهضت وما انبعثت ولكنّي بعثت بحكم قاهر وأمر جازم ، فقد كنت ساكنة قبل مجيئه ولكن ورد عليّ من حضرة القلب رسول العلم على لسان العقل بالإشخاص « 3 » للقدرة ، فأشخصتها باضطرار ؛ فإنّي مسكين مسخّر تحت قهر العلم والعقل ولا أدري بأيّ جرم وقفت عليه وسخّرت له وألزمت طاعته ، لكنّي أدري أنّي في دعة وسكون ما لم يرد عليّ هذا الوارد القاهر وهذا الحاكم العادل أو الظالم . وقد وقفت عليه وقفاً وألزمت طاعته إلزاماً ؛ بل لا يبقي لي معه مهما جزم حكمه طاقة في المخالفة ، لعمري ما دام هو في التردّد على نفسه والتحيّر في حكمه ، فأنا ساكنة لكن مع استشعار وانتظار لحكمه ، فإذا انجزم حكمه انزعجت بطبع وقهر تحت طاعته وأشخصت القدرة ليقوم بموجب حكمه . فسل العلم عن شأني ودع عنّي عتابك ، فإنّي كما قيل :
متى ترحّلت عن قوم وقد قدروا * ألّا تفارقهم فالراحلون هم
فقال : صدقت . وأقبل على العلم والعقل والقلب مطالباً ومعاتباً إيّاهم على استنهاض « 4 » الإرادة وترشيحها لإشخاص القدرة .
فقال العقل له : أمّا أنا ، فسراج ما اشتعلت بنفسي ولكنّي أشعلت .
وقال القلب : أمّا أنا ، فلوح ما انبسطت بنفسي ولكني بسطت .
وقال العلم : إنّما أنا نقش نقشت في بياض لوح القلب ، لمّا أشرق سراج العقل وما انخططت
هامش
( 1 ) - الغمرة : الشدّة .
( 2 ) - قالوا لي عن هذا الأمر مندوحة أي متّسع .
( 3 ) - أشخص الرجل : أزعجه .
( 4 ) - انتهض فلاناً للأمر : أقامه له . . . واستنهضه لكذا : أمره بالنهوض له .