يمتدّ بصره إلى اليد والأصابع فضلًا من صاحب اليد وظنّ أنّ القلم هو المسوّد للبياض وذلك لقصور بصره عن مجاوزة رأس القلم لضيق حدقته ، فكذلك من لم ينشرح بنور اللَّه صدره قصرت بصيرته من ملاحظة جبّار السماوات والأرض ومشاهدة كونه قهّاراً وراء الكلّ ، فوقف في الطريق على الكاتب وهو جهل محض ، بل أرباب القلوب والمشاهدات قد أنطق اللَّه في حقّهم كلّ ذرة في الأرض والسماوات بقدرته التي أنطق بها كلّ شيء ، حتّى سمعوا تقديسها وتسبيحها وشهادتها على أنفسها « 1 » بالعجز بلسان ذَلَق « 2 » يتكلّم بلا حرف ولا صوت لا يسمعه الذين هم عن السمع لمعزولون « 3 » .
ولست أعني به السمع الظاهر الذي لا يجاوز الأصوات ، فإنّ الجماد « 4 » شريك فيه ولا قدر لما شارك فيه البهائم ، وإنّما أريد به سمعاً يدرك به كلام ليس بحرف ولا صوت ولا هو عربي ولا عجمي .
[ 4 ] وصل « 5 »
فإن قلت : فهذه أعجوبة لا يقبلها العقل فصف لي كيفيّة نطقها وأنّها كيف نطقت وكيف سبّحت وقدّست وكيف شهدت على نفسها بالعجز ؟ !
فاعلم ، أنّ لكلّ ذرة في السماوات والأرض مع أصحاب القلوب مناجاة في السرّ وذلك ممّا لا ينحصر ولا يتناهى ، فإنّها كلمات تستمدّ من بحر كلام اللَّه الذي لا نهاية له و :
« لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً »
« 6 » ، ثمّ إنّها تناجي بأسرار الملك والملكوت وإفشاء السرّ يوم يك صدور الأحرار قبور الأسرار « 7 » .
هامش
( 1 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ » .[ فصّلت : 21 ]
( 2 ) - الذَلْق والذَلَق والذُلُق والذُلَق والذَلِق والذَليق : البليغ الفصيح .
( 3 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ » .[ الشعراء : 212 ]
( 4 ) - في المحجّة : الحمار .
( 5 ) - راجع : المحجّة ، ج 7 ، ص 387 .
( 6 ) - الكهف : 109 .
( 7 ) - في المحجّة : وإفشاء السرّ لؤم ، بل صدور الأحرار قبور الأسرار .