وهل رأيت قطّ أميناً على أسرار الملك قد يوحى بخفاياه ، فنادى على الملأ من الخلق ؟ ! ولو جاز إفشاء كلّ سرّ لما
قال النبي صلى الله عليه وآله : ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيراً ) « 1 » ؛
بل كان يذكر ذلك لهم ، حتّى يبكوا ولا يضحكوا ، ولما نهى عن إفشاء سرّ القدر ولما خصّ أمير المؤمنين عليه السلام ببعض الأسرار « 2 » .
فإذن من حكايات مناجاة ذرّات الملك والملكوت لقلوب أرباب المشاهدات مانعان :
أحدهما استحالة إفشاء السرّ ، والثاني خروج كلماتها عن الحصر والنهاية . ولكنّا في المثال الذي كنّا فيه - وهو حركة القلم - نحكي عن مناجاتها قدراً يسيراً يفهم به على الإجمال كيفّية ابتناء التوكّل عليه ، ونردّ كلماتها على الحروف والأصوات وإن لم تكن حروفاً وأصواتاً ولكنّ هذه ضرورة التفهيم .
فنقول : قال بعض الناظرين عن مشكاة نور اللَّه تعالى للكاغذ وقد رآه أسود وجهه بالحبر :
ما بال وجهك كان أبيض مشرقاً والآن قد ظهر عليه السواد ؟ ! فلِمَ سوّدت وجهك وما السبب فيه ؟
فقال الكاغذ : ما أنصفتني في هذه المطالبة ، فإنّي ما سوّدت وجهي بنفسي ولكنّ سل الحبر ، فإنّه كان مجموعاً في المحبرة التي هي مستقرّه ووطنه ، فسافر عن الوطن ونزل بساحتي وسوّد وجهي ظلماً وعدواناً .
فقال : صدقت . فسأل الحبر عن ذلك .
فقال : ما أنصفتني ، فإنّي كنت في المحبرة وادعاً ساكناً عازماً عن لا أبرح منها ، فأعتدى عليّ القلم بطمعه الفاسد واختطفني « 3 » من وطني وأجلاني عن بلدي وفرّق جمعي وبدّدني « 4 » ، كما تراه على ساحة بيضاء ، فالسؤال عليه لا عليّ .
قال : صدقت . ثمّ سأل القلم عن السبب في ظلمه وعدوانه وإخراج الحبر من أوطانه
هامش
( 1 ) - التوحيد ، ص 238 ؛ معاني الأخبار ، ص 38 ؛ الموطأ ، ج 1 ، ص 186 ؛ المغني ، ج 2 ، ص 278 .
( 2 ) - في المحجّة : ولما خصّ حذيفة رضي الله عنه ببعض الأسرار .
( 3 ) - اختطف الشيء : استبله ، اجتذبه وانتزعه .
( 4 ) - بدّد الشيء : فرّقه .