الَّذِي خَلَقَ *
- إلى قوله -
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ »
« 1 »
.
فقال السالك : لقد فتحت بصري وحدّقته ، فواللَّه ما أرى إلّا قصباً وإلّا خشباً ولا أعلم قلماً إلّا كذلك .
فقال العلم : لقد أبعدت النجعة « 2 » . أما سمعت أنّ متاع البيت يشبه ربّ البيت ؟ ! أما علمت أنّ اللَّه تعالى لا يشبه ذاته سائر الذوات ، فكذلك لا يشبه يده سائر الأيدي ولا قلمه سائر الأقلام ولا كلامه سائر الكلام ولا خطّه سائر الخطوط . وهذه أمور إلهيّة من عالم الملكوت الأعلى ، فليس اللَّه في ذاته بجسم ولا هو في مكان بخلاف غيره ، ولا يده لحم وعظم ودم بخلاف الأيدي ، ولا قلمه بقصب ولا لوحه من خشب ولا كلامه صوت وحرف ، ولا خطّه رقم ورسم ولا حبره زاج وعفص « 3 » . فإن كنت لا تشاهد هذا هكذا ، فما أراك إلّامخنّثاً « 4 » بين فحولة « 5 » التنزيه وأنوثة التشبيه ، مذبذباً بين هذا وذلك ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فكيف نزّهت ذاته تعالى وصفاته عن ذوات الأجسام وصفاتها ونزّهت كلامه عن معاني الحروف والأصوات وأخذت تتوقّف في يده وقلمه ولوحه . فإن كنت قد فهمت من قوله : ( إنّ اللَّه خلق آدم على صورته ) « 6 » الصورة الظاهرة المدركة بالبصر ، فكن مشبّهياً مطلقاً ، كما يقال :
كن يهودياً صرفاً وإلّا فلا تلعب بالتورية .
وإن فهمت منه الصورة الباطنة التي تدرك بالبصائر لا بالأبصار ، فكن منزّهاً صرفاً ومقدّساً فحلًا واطو الطريق « 7 » ، فإنّك بالواد المقدّس طوى ، واستمع بسرّ قلبك لما يوحى ، فلعلّك تجد على
هامش
( 1 ) - العلق : 1 - 5 .
( 2 ) - النجعة : طلب الكلام في موضعه .
( 3 ) - العفص : الذي يتّخذ منه الحبر .
( 4 ) - خنث خنثاً الرجل : كان فيه لين وتكسّر وتثنّ فكان على صورة الرجال وأحوال النساء فهو خنث ، المخنّث : المسترخي المتثنّي .
( 5 ) - الفحولة : الذكورة .
( 6 ) - في الكافي عن محمّد بن مسلم قال : سألت أبا جعفر عليه السلام : ( عمّا يروون أنّ اللَّه خلق آدم على صورته . فقال : هي صورة محدثة مخلوقة واصطفاها اللَّه واختارها على سائر الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه فقال : « بيتي » و« نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ). [ الكافي ، ج 1 ، ص 134 ]
( 7 ) - الطيّ : نقيض النشر . . . ويقال : طويت الصحيفة اطويها طيّاً . . . وفي حديث السفر اطو لنا الأرض ، أي قرّبهالنا وسهّل السير فيها حتّى لا تطول علينا ، فكأنّها قد طويت .