. فقال : سل اليد والأصابع ، فإنّي كنت قصباً نابتاً على شطّ الأنهار متنزّهاً بين خضرة الأشجار ، فجائتني اليد بسكّين ، فنحت « 1 » عنّي قشري وفرّق عليّ « 2 » ثيابي واقتلعتني من أصلي وفصلت بيني وبين أنابيني ، ثم برأتني وشقّت رأسي ، ثمّ غمستني في سواد الحبر ومرارته وهو ذا تستخدمني وتمشيني على قمّة « 3 » رأسي ، فلقد نثرت « 4 » الملح على جرحي بسؤالك وعتابك ، فتنحّ عنّي وسل من قهرني .
فقال : صدقت . ثمّ سأل اليد عن ظلمها على القلم واستخدامها له وتعدّيها عليه .
فقال اليد : ما أنا إلّالحم وعظم ودم ، وهل رأيت لحماً يظلم أو جسماً يتحرّك بنفسه ؟ إنّما أنا مركب مسخّر ، ركبني فارس يقال له : القدرة والقوّة ، وهي التي تردّدني وتجول بي في نواحي الأرض . أما ترى المدر والحجر والشجر لا يتعدّي شيء منها مكانه ولا يتحرّك بنفسه ، إذ لم يركبها مثل هذا الفارس القوي القادر ؟ ! أما ترى أيدي الموتى تساويني في صورة اللحم والعظم والدم ، ثمّ لا معاملة بينها وبين القلم ! فأنا أيضاً من حيث أنا لا معاملة بيني وبين القلم ، فسل القدرة عن شأني ، فإنّي مركب أعجزني « 5 » من ركبني .
فقال : صدقت . ثمّ سأل القدرة عن شأنها في استعمالها اليد واستخدامها وكثرة ترديدها لها .
فقال : دع عنك لؤمي ومعاتبتي ، فكم من لائم ملوم ، وكم من ملوم لا ذنب له ، وكيف خفي عليك أمري أو كيف ظننت أنّي ظلمت اليد لمّا ركبتها . ولقد كنت راكباً إيّاها قبل التحريك وما كنت أحرّكها ولا أستسخرها ؛ بل كنت نائماً ساكناً ، حتّى ظنّ ظانّون بي أنّي ميّت أو معدوم ؟ ! لأنّي ما كنت أتحرّك ولا أحرّك ، حتّى جاءني موكّل أزعجني « 6 » وأرهقني « 7 » إلى ما تراه منّي ، فكانت لي قوّة على مساعدته ولم يكن لي قوّة على مخالفته . وهذا الموكّل
هامش
( 1 ) - نحى الشيء : أزاله .
( 2 ) - في المحجّة : مزّقت عنّي .
( 3 ) - وقمّة كلّ شيء : أعلاه ووسطه .
( 4 ) - النثر : رميك الشيء بيدك متفرقاً .
( 5 ) - في المحجة : أزعجني .
( 6 ) - زعج زعجاً : أقلقه وقلعه من مكانه : طرده .
( 7 ) - أرهقه : حمله على ما لا يطيق .