[ 3 ] وصل « 1 »
اعلم ، أنّه لا يمكن التوكّل على اللَّه في الأمور حقّ التوكّل إلّابالبلوغ إلى مقام التوحيد الثالث « 2 » ، إذ مجرّد التوحيد بالاعتقاد لا يورث حال التوكّل كما ينبغي ، فلنذكر منه القدر الذي يرتبط التوكّل به دون تفصيله الذي لا يحتمله أمثال هذا الكتاب .
وحاصله أن ينكشف لك أن لا فاعل إلّااللَّه ، وأنّ كلّ موجود من خلق ورزق وعطاء ومنع وحياة وموت وغنى وفقر إلى غير ذلك ممّا يطلق عليه اسم ، فالمتفرّد بإبداعه واختراعه هو اللَّه تعالى لا شريك له فيه .
وإذا انكشف لك هذا لم تنظر إلى غيره ، بل كان منه خوفك وإليه رجاؤك وبه ثقتك وعليه اتّكالك ، فإنّه الفاعل بالانفراد دون غيره وما سواه مسخّرون لا استقلال لهم بتحريك ذرّة في ملكوت السماوات والأرض .
وإذا انفتح لك أبواب المعارف « 3 » ، اتّضح لك هذا اتّضاحاً أتمّ من المشاهدة بالبصر ، وإنّما يصدّك الشيطان عن هذا التوحيد في مقامين - ينبغي به « 4 » أن يتطرّق إلى قلبك شائبة الشرك - : أحدهما الالتفات إلى اختيار الحيوانات ، والثاني الالتفات إلى الجمادات .
أمّا الالتفات إلى الجمادات كاعتمادك إلى المطر في خروج الزرع ونباته ونمائه ، وعلى الغيم في نزول المطر ، وعلى البرد في اجتماع الغيم ، وعلى الريح في استواء السفينة وسيرها . وهذا شرك في التوحيد وجهل بحقائق الأمور ، ولذلك قال تعالى :
« فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ »
« 5 »
.
قيل : معناه أنّهم يقولون : « لولا استواء الريح لما نجونا » ومن انكشف له أمر العالم ، كما هو
هامش
( 1 ) - راجع : المحجّة ، ج 7 ، ص 385 .
( 2 ) - في المحجّة مع تفاوت وزيادة .
( 3 ) - وفيه : أبواب المكاشفة .
( 4 ) - وفيه : في مقام يبتغي به .
( 5 ) - العنكبوت : 65 .