فاعلم ، أنّ هذا غاية علوم الأسرار « 1 » التي لا يجوز أن تستطر « 2 » في كتاب « 3 » . نعم ، ذكر ما يكسر سورة « 4 » استبعادك ممكن . وهو أن يكون الشيء قد يكون كثيراً بنوع مشاهدة واعتبار ، ويكون واحداً بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار . وهذا كما أنّ الإنسان كثير ، إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه . وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد ، إذ تقول : إنّه إنسان واحد ؛ وهو بالإضافة إلى الإنسانية واحد ، وكم من شخص يشاهد إنساناً ولا يخطر بباله كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روحه وجسده والفرق بينهما ، فهو في حالة الاستغراق والاستهتار به « 5 » مستغرق بواحد ليس فيه تفرّق ، فكأنّه في عين الجمع والملتفت إلى الكثرة في تفرقة .
فكذلك كلّ ما في الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة ؛ وهو باعتبار واحد من حيث الاعتبارات واحد ، وباعتبارات آخر ومشاهدات كثيرة بعضها أشدّ كثرة من بعض . ومثال الإنسان وإن كان لا يطابق الغرض ، ولكنّه ينبّه بالجملة على كيفيّة مصير الكثرة في حكم المشاهدة واحداً .
ونستفيد بهذا الكلام ترك الإنكار والجحود لمقام لا تبلغه وتؤمن به إيمان تصديق ، فيكون لك من حيث إنّك مؤمن بهذا التصديق « 6 » نصيب ، وإن لم يكن ما آمنت به صفتك « 7 » .
وهذه المشاهدات التي لا يظهر فيها إلّاالواحد الحقّ تارة تدوم وتارة تطرأ كالبرق الخاطف « 8 » وهو أكثر والدوام نادر عزيز .
هامش
( 1 ) - وفيه : هذه غاية علوم المكاشفات وأسرار هذا العلم .
( 2 ) - استطر : كتب .
( 3 ) - في المحجّة : فقد قال العارفون إفشاء سرّ الربوبيّة كفر . . . .
( 4 ) - السورة : ما طال من البناء إلى جهة السماء .
( 5 ) - استهتر فلان : اتبع هواه فلا يبالي بما يفعل ؛ واستهتر الرجل بكذا : صار مستهتراً به ، أي مولعاً به لا يتحدّثبغيره ولا يفعل غيره .
( 6 ) - وفيه : بهذا التوحيد .
( 7 ) - المحجّة : + كما أنّك إذا آمنت بالنبوّة وإن لم تكن نبيّاً كان لك نصيب منه بقدر قوّة إيمانك .
( 8 ) - خطف البرق البصر : ذهب به .