في البيت ضيّقت المكان ، فلا تصلح إلّاأن تترك مدّة على الجوز للصوان « 1 » ثمّ ترمى ، فكذلك التوحيد بمجرّد اللسان عديم الجدوى ، كثير الضرر ، مذموم الظاهر والباطن ، لكنّه ينفع مدّة في حفظ القشرة السفلى [ إلى وقت الموت ، والقشرة السفلى ] « 2 » هي القالب والبدن . وتوحيد المنافق يصون بدنه عن سيف الغزاة ، فإنّهم لم يأمروا بشقّ القلوب والسيف إنّما يصيب جسم البدن وهو القشر . وإنّما يتجرّد عنه بالموت ، فلا يبقي لتوحيده فائدة بعده . وكما أنّ القشرة السفلى ظاهرة النفع بالإضافة إلى القشرة العليا ، فإنّها تصون اللبّ عن الفساد عند الاذّخار « 3 » .
وإذا فصلت أمكن أن ينتفع بها حطباً ، لكنّه نازلة القدر بالإضافة إلى اللبّ ، فكذلك مجرّد الاعتقاد من غير كشف كثير النفع بالإضافة إلى مجرّد نطق اللسان ، ناقص القدر بالإضافة إلى الكشف والمشاهدة التي تحصل بانشراح الصدر وانفساحه بإشراق نور الحقّ فيه ، إذ ذلك الشرح هو المراد بقوله تعالى : «
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ »
« 4 » . وبقوله تعالى :
«
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ »
« 5 » ، وكما أنّ اللبّ نفيس في نفسه بالإضافة إلى القشر وكأنّه « 6 » المقصود ولكنّه لا يخلو عن شوب عصارة بالإضافة إلى الدهن المستخرج منه ، فكذلك توحيد الفعل مقصد عال للسالكين ولكنّه لا يخلو عن شوب ملاحظة الغير والالتفات إلى الكثرة بالإضافة إلى من لا يشاهد سوى الواحد الحقّ .
[ 2 ] وصل « 7 »
فإن قلت : كيف يتصوّر أن لا يشاهد إلّاواحداً ، وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة ، فكيف يكون الكثير واحداً ؟ !
هامش
( 1 ) - الصِوان والصُوان : الوعاء الذي تصان فيه الثياب . وفي المحجّة : للصون .
( 2 ) - الزيادة منّا أضفناها من المحجّة والإحياء .
( 3 ) - اذّخر وادّخر : بمعنى ذخر .
( 4 ) - الأنعام : 125 .
( 5 ) - الزمر : 22 .
( 6 ) - في المحجّة : وكلّه .
( 7 ) - راجع : المحجّة ، ج 7 ، ص 384 .