موضوعها أمر غير موجود وممتنع الوجود . وذلك لأنّ جملة أشياء كلّ واحد منها لا يثبت بل يعدم فلا تكون بما هي جملة موجودة البتة ، سواء كانت الأجزاء التي تفرض لها بحيث إذا أحضرت في الوهم واحد بعد واحد فنت أو بحيث لا تفنى . أعنى لو كانت الأشخاص الماضية على التوالي عددها عشرة عند الوهم مرتسمة لم يجز أن يقال إنّ عددها موجود أو جملتها موجودة . فاّن كلّ ما يوصف بأنّه موجود : إما أن يقال إنّه موجود في كلّ زمان أو في زمان ماض أو في الحال أو في زمان مستقبل . وليس يجوز أن يكون هذه العشرة جملتها موجودة في كلّ زمان . وإلّا لكانت الأجزاء موجودة معا ولا كان في ما مضى وحدث فيه الجملة معا .
ولا أيضا ذلك في ما يستقبل أو في الآن . فمحال أن يقال لأمثال هذه الأشياء إنّ جملة منها موجودة ولها عدد موجود متناه أو غير متناه . بل يصحّ عنها السلب للأمرين جميعا :
فليست اثبات هذه الجملة في الوجود متناهية ولا غير متناهية ، إذ ليست هي موجودة .
فكيف يكون موجودة ذات عدد متناه أو غير متناه .
ولكن لقائل أن يقول : فكيف تقول لجملة ممّا مضى : إنّها عشرة ؟ فنقول : أمّا في الحقيقة فانّآ إنّما نحكم عند عدم المعدومات بأنّها كذا لا على ذواتها . بل على الموجود في الوهم منها وإنّما يرتسم في الوهم منها ما هو متناه لا غير . وامّا عند قوم فانّ المعدومات في حال المعدوم موصوفة بأوصاف منها العدد . إلّا أنّه على كل حال لا يصفونها بأن لها عددا موجودا ، بل لها عدد معدوم فيكون على الأحوال كلّها ليس للمعدومات جملة لها عدد موجود متناه أو غير متناه . بل إمّا أن يكون كذلك في الوهم . وإمّا أن يوصف بعدد معدوم . ولولا ما نكرهه من التطويل في ما ليس بنا إليه ضرورة فحصنا عن حال الأحكام على المعدومات الموجودة في الوهم ، الّا أنّ المقدار الذي أومانا إليه فيه كفاية بحسب الفرض .
فقد اتّضح أنّ قولنا : « إن كان الماضي لا أوّل له فالأشخاص الماضية بلا نهاية » ، ليس يصحّ أن يفهم منه أنّه إن كان الماضي لا اوّل له فالأشخاص جملة موصوفة بأنّها شئ له عدد بغير نهاية في الوجود وبيّن أنّ ذلك في الوهم محال . فانّ الوهم لا يحصل فيه عدد لا نهاية له بالفعل . بل إنّما يرتسم فيه ما كان مقدارا محدودا . نعم الذهن يحصل فيه معنى الجملة ومعنى ما لا نهاية له من جهة أنّ معنى ما لا نهاية له صفة ومحمول . لا من جهة أنّه
مبحث عن القوى النفسانية أو كتاب في النفس على سنة الإختصار ( ويليه الطير وأسباب حدوث الحروف والحكومة والحدود وقصة سلامان وأبسال ) — صفحة ما تقرر من الحكومة 106
مساهمون: أبو علي سينا
صما تقرر من الحكومة ١٠٦