وأمّا المشهورت في بادي الرّأى فهي المقدّمات الّتى كلّما تسمع تميل إليها الّنفوس في أكثر الأمر وتحمدها ، ثمّ ينكشف أنّها غير محمودة ولا مشهورة إذا تعقّبت . مثل قول القائل :
« انصر أخاك ظالما أو مظلوما » ، فانّه يقع مغا فصة ، ثم يكشف عن كونه مقابل المشهور الحقيقىّ تعقّب الحال فيه ، فانّ المشهور الحقيقي أنّه لا يجب أن يعان الظّالم وإن كان أقرب النّاس ، بل يجب أن يعان عليه . وجميع ما هو مشهور حقيقي فهو أيضا مشهور في البادى ، ولا ينعكس .
والمظنونات قريبة من المشهورات ولكنّها مخالفة لها . أمّا وجه المشاركة فلأنّها مقدّمات يحكم بها غالب الظّنّ أيضا في بعض الأوقات . وللنّفس شعور بكذبها . ومثال المظنونات قولنا : « كلّ من يتسلّق دور الناس في الّليالى فهو خريّب » ، مع أنّ النّفس قد تشعر بأنّه ربما كان ملجاء إليه من ظلم طلب غاشم أو ربّما كان المزاج الماليخوليائىّ غلب عليه فصوّر له أنّ ذلك صواب .
وأمّا المشبّهات فهي مقدّمات ليست بأوّليّة ولا مشهورة وقد شبّهت بها أو اشتبهت بها ، لمناسبة بينهما في لفظ أو معنى . فما شبّه بالأوّلى الصّادق وليس به فتسمّى مقدّمة مغالطيّة وما شبّه بالمشهور وليس به فيسمّى مقدّمة مشاغبيّة ومستعمل المغالطى يسمّى سوفسطائّيا . وهو المتشبّه بالفيلسوف ، ومستعمل المشاغبى يسمّى مماريا وهو المتشبه بالمجادل ، والمشهورات إذا اخذت على أنّها أوّليّات أو صادقة صارت حينئذ مغالطيّة .
وأمّا المخيّلات فهي مقدّمات لا يقال ليقع بها التّصدق بل ليقع بها تخيّل بسبب محاكاة ما فيحدث في الّنفس انقباض وانبساط . مثل قول القائل للعسل : « إنّه مرّة مقيّئة » فيشمئزّ منه نفس الشّارب من غير تصديق . ومن هذه المقدّمات قولهم للسّخىّ : « إنّه بحر » . وللوسيم :
« إنّه بدر » .
وامّا المقدّمات الّتى تقرب من الأوّليّات لأنّ قياساتها في الّطبع . فمثل قولنا : « إنّ الحجر لا يتنّفس » ، و « إنّ الثّلاث أزيد من الأربع » فانّ أمثال هذه ليست في الطّبع الأوّل ، ولكن في الّطبع الأوّل أنّها إذا أحضرت في الذّهن انعقد في الوقت القياسات المنتجهة لها إمّا بالفعل وإمّا بالقّوه القريبة من الفعل فلم يقع فيها شكّ .
مبحث عن القوى النفسانية أو كتاب في النفس على سنة الإختصار ( ويليه الطير وأسباب حدوث الحروف والحكومة والحدود وقصة سلامان وأبسال ) — صفحة ما تقرر من الحكومة 99
مساهمون: أبو علي سينا
صما تقرر من الحكومة ٩٩