تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧

فإن قيل : لو صحّ السحر لأضرّت السحرة بجميع الأنبياء والصالحين ولحصّلوا لأنفسهم الملك العظيم ، وكيف يصحّ أن يسحر النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - وقد قال اللّه : وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ( 135 ) - وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى ( 136 ) . وكانت الكفرة يعيبون النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - بأنهّ مسحور ، مع القطع بأنّهم كاذبون . قلنا : ليس الساحر يوجد في كلّ عصر وزمان وبكلّ قطر ومكان ولا ينفذ حكمه كلّ أوان ولا له يد في كلّ شيء ( 1 ) والنبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - معصوم من أن يهلكه الناس أو يوقع خللا في نبوتّه لا أن يوصل ضررا وألما إلى بدنه ، ومراد الكفّار بكونه مسحورا أنهّ مجنون أزيل عقله بالسحر حيث ترك دينهم . فان قيل : قوله - تعالى - في قصّة موسى - عليه السلام - يُخَيَّلُ إلِيَهِْ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى يدلّ على أنهّ لا حقيقة للسحر ، وإنّما هو تخييل وتمويه . قلنا : يجوز أن يكون سحرهم إيقاع ذلك التخيّل وقد تحقّق ، ولو سلّم فكون أثره في تلك الصورة هو التخييل لا يدلّ على أنهّ لا حقيقة له أصلا . وأمّا الإصابة بالعين وهو أن يكون لبعض النفوس خاصيّة أنّها إذا استحسنت شيئا لحقه الآفة ، فثبوتها يكاد يجري مجرى المشاهدات الّتي لا تفتقر إلى حجّة ، وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « العين حقّ يدخل الرّجل القبر والجمل القدر » . وقد ذهب كثير من المفسّرين إلى أنّ قوله - تعالى - : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ - الآية ( 138 ) نزلت في ذلك . وقالوا : كان العين في بني أسد ، فكان الرجل منهم يتجوّع ثلاثة أيّام فلا يمرّ به شيء يقول فيه : « لم أر كاليوم » إلّا عانه ، فالتمس الكفّار من بعض من كانت له هذه الصنعة أن يقول في رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - ذلك ، فعصمه اللّه . واعترض الجبائيّ أنّ القوم ما كانوا ينظرون إلى النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - نظر استحسان بل مقت ونقص .

هامش
( 135 ) - المائدة : 67 .
( 136 ) - طه : 69 .
( 1 ) 37 - في ( خ ) : شأن .
( 138 ) - القلم : 51 .