يحتمل السحر ، وذلك واضح عند من له دربة ( 1 ) في صناعة السحر . وأيضا معجزات الأنبياء لا تقع على وجه تكون فيه شبهة لأحد إلّا أن يقول معاند بلسانه ما ليس في قلبه ، فإنّ الساحر ربّما يخيّل ويظهر قطرات من الماء من بين أصابعه أو كفهّ أو من حجر صغير وأمّا أن يجري أنهار كبيرة بمحض ضرب العصا أو يروّي كثيرا من النّاس والدوابّ بما يجري من بين أصابعه بلا معاناة عمل أو استعانة بآلة ، فهذا ممّا يعرف كلّ عاقل أنهّ لا يكون من السحر ، وكذا إذا دعا على أحد فمات أو مرض من ساعته ، فإنّ مثل هذا لا يكون سحرا بديهة . وأمّا جهة تأثيره ، فما كان من قبيل التخييلات والشعبدة فأسبابها ظاهرة عند العاملين بها تفصيلا وعند غيرهم إجمالا ، كما مرّ في سحر سحرة فرعون واستعانتهم بالزئبق أو إرائتهم أشياء بسرعة اليد لا حقيقة لها . وأمّا حدوث الحبّ والبغض والهمّ وأمثالها ، فالظاهر أنّ اللّه - تعالى - جعل لها تأثيرا وحرّمها كما أومأنا إليه وهذا ممّا لا ينكره العقل ، ويحتمل أن يكون للشياطين أيضا مدخلا ( 140 ) في ذلك . ويقلّ أو يبطل تأثيرها بالتوكّل والدّعاء والآيات والتعويذات . ولذا كان شيوع السحر والكهانة وأمثالهما في الفترات بين الرّسل وخفاء آثار النبوّة واستيلاء الشياطين أكثر وتضعف وتخفى تلك الأمور عند نشر آثار الأنبياء وسطوع أنوارهم كأمثال تلك الأزمنة ، فإنهّ ليس من دار ولا بيت إلّا وفيه مصاحف كثيرة وكتب جمّة من الأدعية والأحاديث وليس من أحد إلّا ومعه مصحف أو عوذة أو سورة شريفة وقلوبهم وصدورهم مشحونة بذلك ، فلذا لا نرى منها أثرا بيّنا في تلك البلاد إلّا نادرا في البلهاء والضعفاء والمنهمكين في المعاصي ، وقد نسمع ظهور بعض آثارها في أقاصي البلاد لظهور آثار الكفر وندور أنوار الإيمان فيها ، كأقاصي بلاد الهند
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 449
مساهمون: علي أنصاريان
ص٤٤٩
هامش
( 1 ) 39 - « درب دربا ودربة » كان حاذقا في صناعته .
( 140 ) - كذا .