السحر ولأنّ العقل لا ينكر أنّ اللّه - تعالى - قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفّق وتركيب أجسام أو مزج بين قوى على ترتيب مخصوص ، ونظير ذلك ما يقع من حذّاق الأطبّاء من مزج العقاقير ببعض حتّى ينقلب الضارّ منها بمفرده فيصير بالتركيب نافعا . وقيل : لا يزيد تأثير السحر على ما ذكر اللّه - تعالى - في قوله : ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزوَجْهِِ ( 130 ) لكون المقام مقام تهويل ، فلو جاز أن يقع أكثر من ذلك لذكره . قال المازريّ : والصحيح من جهة العقل أنهّ يجوز أن يقع به أكثر من ذلك ، قال : والآية ليست نصّا في منع الزيادة ولو قلنا إنّها ظاهرة في ذلك . ثمّ قال : والفرق بين السّحر والمعجزة والكرامة أنّ السّحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتّى يتمّ للسّاحر ما يريد ، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك بل إنّما تقع غالبا اتّفاقا ، وأمّا المعجزة فتمتاز من الكرامة بالتّحدّي . ونقل إمام الحرمين الإجماع على أنّ السحر لا يظهر إلّا عن فاسق والكرامة لا تظهر عن ( 1 ) الفاسق . ونقل النوويّ في زيادات الروضة عن المستولى ( 1 ) نحو ذلك وينبغي أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه ، فإن كان متمسّكا بالشريعة متجنّبا للموبقات فالّذي يظهر على يده من الخوارق كرامة وإلّا فهو سحر لأنهّ ينشأ عن أحد أنواعه كإعانة الشياطين . وقال القرطبيّ : السحر حيل صناعيّة يتوصّل إليها بالاكتساب غير أنّها لدقّتها لا يتوصّل إليها إلّا آحاد الناس . ومادّتها الوقوف على خواصّ الأشياء والعلم بوجوه تركيبها وأوقاته ، وأكثرها تخييلات بغير حقيقة وإيهامات بغير ثبوت فيعظم عند من لا يعرف ذلك ، كما قال اللّه - تعالى - عن سحرة فرعون : وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ( 133 ) ، مع أنّ حبالهم وعصيّهم لم تخرج عن كونها حبالا وعصيّا .
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 445
مساهمون: علي أنصاريان
ص٤٤٥
هامش
( 130 ) - البقرة : 102 .
( 1 ) 31 - في أكثر النسخ : على فاسق .
( 1 ) 32 - في ( خ ) : المستوفى .
( 133 ) - الأعراف : 116 .