تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢

وقال : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قبَلْهِِ الرُّسُلُ وَأمُهُُّ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ( 52 ) وقال : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ ( 53 ) وقال : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ . ( 54 ) فمحمّد - صلّى اللّه عليه وآله - وسائر الأنبياء من البشر أرسلوا إلى البشر ، ولولا ذلك لما أطاق الناس مقاومتهم والقبول عنهم ومخاطبتهم ، قال اللّه - تعالى - : وَلَوْ جعَلَنْاهُ مَلَكاً لجَعَلَنْاهُ رَجُلًا ( 55 ) أي لما كان إلّا في صورة البشر ، الّذين يمكنكم مخالطتهم إذ لا تطيقون مقاومة الملك ومخاطبته ورؤيته إذا كان على صورته ، وقال : لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا ( 56 ) أي لا يمكن في سنّة اللّه إرسال الملك إلّا لمن هو من جنسه أو من خصّ اللّه - تعالى - واصطفاه وقواّه على مقاومته كالأنبياء والرسل . فالأنبياء والرسل وسائط بين اللّه وخلقه ، يبلّغونهم أوامره ونواهيه ووعده ووعيده ويعرّفونهم بما لم يعلموه من أمره وخلقه وجلاله وسلطانه وجبروته وملكوته ، فظواهرهم وأجسادهم وبنيتهم متّصفة بأوصاف البشر ، طارئ عليها ما يطرأ على البشر من الأعراض والأسقام والموت والفناء ونعوت الانسانيّة ، وأرواحهم وبواطنهم متّصفة بأعلى من أوصاف البشر ، متعلّقة بالملأ الأعلى ، متشبّهة بصفات الملائكة ، سليمة من التغيير والآفات ، ولا يلحقها غالبا عجز البشريّة ولا ضعف الانسانيّة . إذ لو كانت بواطنهم خالصة للبشريّة كظواهرهم ، لما أطاقوا الأخذ عن الملائكة ورؤيتهم ومخاطبتهم كما لا يطيقه غيرهم من البشر . ولو كانت أجسامهم وظواهرهم متّسمة بنعوت الملائكة وبخلاف صفات البشر ، لما أطاق البشر ومن أرسلوا إليه مخاطبتهم كما تقدّم من قول اللّه - تعالى - فجعلوا من جهة الأجسام والظواهر مع البشر ، ومن جهة الأرواح والبواطن

هامش
( 52 ) - المائدة : 78 .
( 53 ) - الفرقان : 20 .
( 54 ) - الكهف : 11 .
( 55 ) - الأنعام : 9 .
( 56 ) - الإسراء : 95 .