قول ابن قتيبة أحسن ، فذلك معنى قول السيّد - رضي اللّه عنه - وقد تؤوّل ذلك على معنى آخر . انتهى كلام ابن ميثم . وقال القطب الراونديّ - رحمه اللّه - بعد ذكر المعنيين المحكيّين عن ابن قتيبة وأبي عبيد : وقال المرتضى فيه وجها ثالثا ، أي من أحبّنا فليزمّ نفسه وليقدها إلى الطاعات ، وليذلّلها على الصبر عمّا كره منها ، فالفقر أن يحزّ أنف البعير فيلوى عليه حبل يذلّل به الصعب ، يقال : « فقره » إذا فعل به ذلك . انتهى . ولا يخفى أنهّ لو كان المراد الصبر على الفقر وستره والكفّ عن إظهار الحاجة إلى الناس ، وذلك هو المعبّر عنه بالجلباب ، كما أشير إليه أوّلا ، لا يقدح فيه ما ذكره أبو عبيد من أنّ فيمن يحبّهم مثل ما في سائر الناس من الغنى ، لأنّ الأمر بالصبر والستر حينئذ يتوجهّ إلى من ابتلاه اللّه بالفقر ، فالمراد أنّ من ابتلى من محبّينا بالفقر ، فليصب عليه ولا يكشفها ، ولا يستفاد منه فقد الغنى من الشيعة . وأمّا الخبر الأوّل فقد قيل : يحتمل أن تكون مفاده صعوبة حمل محبّتهم الكاملة ، فيكون قريبا من قوله - عليه السلام - : إنّ أمرنا صعب مستصعب ، لا يحتمله إلّا ملك مقرّب ، أو نبيّ مرسل ، أو عبد امتحن اللّه قلبه للإيمان ( 48 ) . فتهافت الجبل حينئذ لثقل هذا الحمل وشدّة المهابة ، كقوله - تعالى - : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لرَأَيَتْهَُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ ( 49 ) . وقوله - تعالى - : إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها . ( 50 ) والظاهر من المقام أنهّ ليس المراد بالمحبّة ما في العوامّ والأوساط ، بل ما يستلزم التشبهّ به - عليه السلام - على وجه كامل ، والاقتداء التامّ به - عليه السلام - في الفضائل ومحاسن الأعمال على قدر الطاقة ، وإن كانت درجته الرفيعة فوق إدراك الأفهام وأعلى من أن تناله الأوهام ، وحقّ للجبل أن يتهافت عن حمل مثل ذلك الحمل .
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 370
مساهمون: علي أنصاريان
ص٣٧٠
هامش
( 48 ) - ارجع إلى : الكافي ، ج 1 ، ص 401 وبصائر الدرجات ، ص 20 .
( 49 ) - الحشر : 21 .
( 50 ) - الأحزاب : 73 .