الأشقياء » . قال : فلمّا سمعت أمّ كلثوم نعي جبرئيل فلطمت على وجهها وخدّها وشقّت جيبها وصاحت : وا أبتاه وا علياّه وا محمدّاه وا سيدّاه ، ثمّ أقبلت إلى أخويها الحسن والحسين فأيقظتهما وقالت لهما : لقد قتل أبوكما : فقاما يبكيان ، فقال لها الحسن - عليه السلام - : يا أختاه كفّي عن البكاء حتّى نعرف صحّة الخبر كيلا تشمت الأعداء فخرجا فإذا الناس ينوحون وينادون : وا إماماه وا أمير المؤمنيناه ، قتل واللّه إمام عابد مجاهد لم يسجد لصنم ، كان أشبه الناس برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - فلمّا سمع الحسن والحسين - عليهما السلام - صرخات الناس ناديا : وا أبتاه وا علياّه ليت الموت أعدمنا الحياة ، فلمّا وصلا الجامع ودخلا وجدا أبا جعدة بن هبيرة ومعه جماعة من الناس ، وهم يجتهدون أن يقيموا الامام في المحراب ليصلّي بالناس ، فلم يطق على النهوض وتأخّر عن الصفّ وتقدّم الحسن - عليه السلام - فصلّى بالناس ، وأمير المؤمنين - عليه السّلام - يصلّي إيماء من جلوس ، وهو يمسح الدم عن وجهه وكريمه الشريف ، يميل تارة ويسكن أخرى ، والحسن - عليه السلام - ينادي : وا انقطاع ظهراه يعزّ واللّه عليّ أن أراك هكذا .
ففتح عينه وقال : يا بنيّ لا جزع على أبيك بعد اليوم ، هذا جدّك محمّد المصطفى وجدّتك خديجة الكبرى وأمّك فاطمة الزهراء والحور العين محدقون منتظرون قدوم أبيك ، فطب نفسا وقرّ عينا وكفّ عن البكاء فإنّ الملائكة قد ارتفعت أصواتهم إلى السماء .
قال : ثمّ إنّ الخبر شاع في جوانب الكوفة وانحشر الناس حتّى المخدّرات خرجن من خدرهنّ إلى الجامع ينظرن إلى عليّ بن أبي طالب - عليه السلام - . فدخل الناس الجامع فوجدوا الحسن ورأس أبيه في حجره ، وقد غسل الدم عنه وشدّ الضربة وهي بعدها تشخب دما ، ووجهه قد زاد بياضا بصفرة ، وهو يرمق السماء بطرفه ولسانه يسبّح اللّه ويوحدّه ، وهو يقول : « أسألك يا ربّ الرفيع الأعلى » .
فأخذ الحسن - عليه السلام - رأسه في حجره فوجده مغشيّا عليه ، فعندها بكى بكاء شديدا وجعل يقبّل وجه أبيه وما بين عينيه وموضع سجوده ، فسقط من دموعه قطرات على وجه أمير المؤمنين - عليه السّلام - ، ففتح عينيه فرآه باكيا .
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 199
مساهمون: علي أنصاريان
ص١٩٩