ذلك لتركته انحطاطا للهّ - سبحانه - ( 1242 ) عن تناول ما هو أحقّ به من العظمة والكبرياء . وربّما استحلى الناس ( 1243 ) الثناء بعد البلاء ، فلا تثنوا عليّ بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى اللّه وإليكم من البقيّة ( 1244 ) في حقوق لم أفرغ من أدائها وفرائض لا بدّ من إمضائها ، فلا تكلّموني بما تكلّم به الجبابرة ولا تتحفّظوا منّي بما يتحفّظ به عند أهل البادرة ( 1245 ) ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنّوا بي استثقالا في حقّ قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي لما لا يصلح لي ، فإنهّ من استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه ، كان العمل بهما أثقل عليه . فلا تكفّوا عنّي مقالة بحقّ أو مشورة بعدل ، فإنّي لست في نفسي بفوق ما أن أخطيء ولا آمن ذلك من فعلي ( 1246 ) إلّا إن يكفي اللّه من نفسي ما هو أملك به منّي ، فإنّما أنا وأنتم عبيد مملوكون
هامش
( 1242 ) - أي تواضعا له - تعالى - . وفي بعض النسخ القديمة : « ولو كنت أحبّ أن يقال ذلك لتناهيت له أغنانا اللهّ وإيّاكم عن تناول ما هو أحقّ به من التعاظم وحسن الثناء » . و « التناهي » قبول النهي ، والضمير في « له » راجع إلى اللهّ - تعالى - وفي النهج كما في النسخ المشهورة . ( آت )
( 1243 ) - يقال : « استحلاه » أي وجده حلوا قال ابن ميثم - رحمه اللهّ - : هذا يجري مجرى تمهيد العذر لمن اثنى عليه ، فكأنهّ يقول : وأنت معذور في ذلك حيث رأيتني أجاهد في اللهّ وأحث الناس على ذلك ومن عادة الناس أن يستهلّ الثناء عند أن يبلو بلاء حسنا في جهاد أو غيره من سائر الطاعات . ثمّ أجاب أنّ هذا العذر في نفسه بقوله « ولا تثنوا عليّ بجميل ثناء » أي لا تثنوا عليّ لأجل ما ترونه منّي من طاعة اللهّ ، فإنّ ذلك إنّما هو إخراج لنفسي إلى اللهّ من حقوقه الباقية علي ، لم أفرغ بعد من أدائها وهي حقوق نعمة وفرائضه الّتي لا بدّ من المضيّ فيها ، وكذلك إليكم من الحقوق الّتي أوجبها اللهّ عليّ من النصيحة في الدين والارشاد إلى الطريق الأفضل والتعليم لكيفيّة سلوكه .
( 1244 ) - أي لاعترافي بين يدي اللهّ وبمحضر منكم ، أنّ علي حقوقا في إيالتكم ورئاستي عليكم لم أقم بها بعد ، وأرجوا من اللهّ القيام بها . وفي بعض النسخ : « من التقية » يعنى من أن يتّقوني في مطالبة حقوق لكم لم أفرغ من أدائها . وعلى هذا يكون المراد بمستحلى الثناء الّذين يثنيهم الناس اتّقاء شرّهم وخوفا من بأسهم . ( في )
( 1245 ) - « أهل البادرة » الملوك والسلاطين . و « البادرة » الحدة والكلام الّذي يسبق من الانسان في الغضب ، أي لا تثنوا عليّ كما يثنى على أهل الحدة من الملوك خوفا من سطوتهم ، أولا تحتشموا مني كما يحتشم من السلاطين والأمراء كترك المسارة والحديث إجلالا وخوفا منهم وترك مشاورتهم أو إعلامهم ببعض الأمور والقيام بين أيديهم . ( آت ) . و « المصانعة » الرشوة والمداراة .
( 1246 ) ] - هذا من قبيل هضم النفس ، ليس بنفي العصمة مع أنّ الاستثناء يكفينا مئونة ذلك . ( في ) وقال المجلسي - رحمه اللهّ - : هذا من الانقطاع إلى اللهّ والتواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحقّ وعدّ نفسه من المقصّرين في مقام العبوديّة ، والإقرار بأنّ عصمته من نعمه - تعالى - عليه .