الازدياد عن العمل والتشكّك في ذلك وتهمة النفس بانقيادها في ذلك الحكم للنفس الأمّارة يستلزم خوفها أن تلك الأعمال قاصرة عن الوجه المطلوب وغير واقعة عليه وذلك باعث على العمل وكاسر للعجب به ، وقد عرفت أنّ العجب من المهلكات كما قال - عليه السّلام - : « ثلاث مهلكات : شحّ مطاع ، وهوى متّبع ، وإعجاب المرء بنفسه » . وكذلك خوفهم من تزكية الناس لهم هو الدواء لما ينشأ من تلك التزكية من الكبر والعجب بما يزكون به ، فيكون جواب أحدهم عند تزكيته أنّي أعلم بنفسي من غيري . . . إلى آخره . ثمّ شرع - عليه السّلام - بعد ذلك في علاماتهم الّتي بجملتها يعرف أحدهم . والصفات السابقة وإن كان كثير منها ممّا يخصّ أحدهم ويعرف به إلّا أنّ بعضها قد يدخله الرياء فلا يدلّ على التقوى الحقّة ، فجمعها ههنا ونسقها . فالأولى : القوّة في الدين ، وذلك أن يقاوم في دينه الوسواس الخنّاس ولا يدخل فيه خداع الناس ، وهذا إنّما يكون في الدين العالم . الثانية : الحزم في الأمور الدنيويّة والدينيّة والتثبّت فيها ممزوجا باللين للخلق وعدم الفضاضة عليهم كما في المثل : « لا تكن حلوا فتسترط ولا مرّا فتلفظ » ( 1069 ) . وهي فضيلة العدل في المعاملة مع الخلق وقد علمت أن اللين قد يكون للتواضع المطلوب بقوله - [ تعالى ] - : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 1070 ) . وقد يكون من مهانة وضعف يقين ، والأوّل هو المطلوب وهو المقارن للحزم في الدين ومصالح النفس والثاني رذيلة ولا يمكن معه الحزم لانفعال المهين عن كلّ جاذب .
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 365
مساهمون: علي أنصاريان
ص٣٦٥
هامش
( 1069 ) - ذكره الجوهريّ في « سرط » ولفظه : لا تكن حلوا فتسترط ولا مرّا فتعقى » ، و « تعقى » بمعنى تلفظ . من قولهم « أعقيت الشيء » إذا أزلته من فيك لمرارته ، كما يقال : « أشكيت الرجل » إذا أزلته عمّا يشكوه . الصحاح ، ص 1130 . وهكذا ذكره الميدانيّ وقال : « الاشتراط » الابتلاع . و « الاعقاء » أن تشتدّ مرارة الشيء حتّى يلفظ لمرارته . وبعضهم يروي : « فتعقى » بوزن « فتسترط » والصواب كسر القاف ، يقال : « أعقى الشيء » . والمعنى : لا تتجاوز الحدّ في المرارة فترمى ، ولا في الحلاء فتبلع ، أي كن متوسّطا . مجمع الأمثال ، ج 2 ، ص 232 ، تحت الرقم 3604 .
( 1070 ) - الشعراء : 115 .