العارف وإن كان في الدنيا بجسده فهو في مشاهدته بعين بصيرته لأحوال الجنّة وسعادتها وأحوال النار وشقاوتها ، كالّذين شاهدوا الجنّة بعين حسّهم وتنعّموا فيها وكالّذين شاهدوا النار وعذّبوا فيها . وهي مرتبة عين اليقين ، فبحسب هذه المرتبة كانت شدّة شوقهم إلى الجنّة وشدّة خوفهم من النار . التاسعة : حزن قلوبهم ، وذلك ثمرة الخوف الغالب . العاشرة : كونهم مأموني الشرور ، وذلك أنّ مبدء الشرور محبّة الدنيا وأباطيلها ، والعارفون بمعزل عن ذلك . الحادية عشر : نحافة أجسادهم ، ومبدء ذلك كثرة الصيام والسهر وجشوبة المطعم وخشونة الملبس وهجر الملاذّ الدنيويّة الثانية عشر : خفّة حاجاتهم ، وذلك لاقتصارهم من حوائج الدنيا على القدر الضروريّ من ملبس ومأكل ، ولا أخفّ من هذه الحاجة . الثالثة عشر : عفّة أنفسهم ، وملكة العفّة فضيلة القوّة الشهويّة وهي الوسط بين رذيلتي خمود الشهوة والفجور . الرابعة عشر : الصبر على المكاره أيّام حياتهم من ترك الملاذّ الدنيويّة واحتمال أذى الخلق ، وقد عرفت أنّ الصبر مقاومة النفس الأمّارة بالسوء لئلّا ينقاد إلى قبائح اللذّات . وإنّما ذكر قصر مدّة الصبر واستعقابه للراحة الطويلة ترغيبا فيه وتلك الراحة بالسعادة في الجنّة كما قال - تعالى - : وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً - الآية ( 1067 ) . وقوله « تجارة مربحة » استعار لفظ التجارة لأعمالهم الصالحة وامتثال أوامر اللّه . ووجه المشابهة كونهم متعوّضين بمتاع الدنيا وبحركاتهم في العبادة متاع الآخرة . ورشّح بلفظ الربح لأفضلية متاع الآخرة وزيادته في النفاسة على ما تركوه . وظاهر أن ذلك بتيسير اللّه لأسبابه وإعدادهم له بالجواذب الإلهيّة . الخامسة عشر : عدم إرادتهم للدنيا مع إرادتها لهم ، وهو إشارة إلى الزهد الحقيقيّ وهو ملكة تحت العفّة ، وكنى بإرادتها لهم عن كونهم أهلا لأن يكونوا فيها
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 362
مساهمون: علي أنصاريان
ص٣٦٢
هامش
( 1067 ) - الانسان : 12 .