فقال له المسلمون : يا رسول اللّه إنّا رأيناك صنعت اليوم شيئا لم تصنعه قبل اليوم فقال : اليوم فقدت برّ أبي طالب إنّها كانت يكون عندها الشيء فتؤثرني به على نفسها وولدها ، وإنّي ذكرت القيامة وأنّ الناس يحشرون عراة فقالت واسوأتاه فضمنت لها أن يبعثها اللّه - تعالى - كاسية ، وذكرت ضغطة القبر فقالت : واضعفاه فضمنت لها أن يكفيها اللّه - تعالى - ذلك فكفّنتها بقميصي واضطجعت في قبرها لذلك وانكببت عليها فلقّنتها ما تسأل عنه ، وإنّما سئلت عن ربّها فقالت : اللّه ، وسئلت عن نبيّها فأجابت ، وسئلت عن وليّها وإمامها فارتج عليها ، فقلت لها : ابنك ابنك .
أقول : وقال الشيخ المفيد - نورّ اللّه ضريحه - في شرح هذا الكلام : جاءت الأخبار الصحيحة عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - أنّ الملائكة تنزل على المقبورين فتسألهم عن أديانهم ، وألفاظ الأخبار بذلك متقاربة ، فمنها أنّ ملكين للهّ - تعالى - يقال لهما : ناكر ونكير ، ينزلان على الميّت فيسألانه عن ربهّ ونبيهّ ودينه وإمامه فإن أجاب بالحقّ سلمّوه إلى ملائكة النعيم ، وإن أرتج عليه سلمّوه إلى ملائكة العذاب . وقيل في بعض الأخبار : إنّ اسمي الملكين اللّذين ينزلان على المؤمن مبشر وبشير . وقيل : إنهّ إنّما سمّي ملكا الكافر ناكرا ونكيرا لأنهّ ينكر الحقّ وينكر ما يأتيانه به ويكرهه ، وسمّي ملكا المؤمن مبشرا وبشيرا لأنّهما يبشرّانه من اللّه - تعالى - بالرضا والثواب المقيم . وإنّ هذين الاسمين ليسا بلقب لهما ، وإنّهما عبارة عن فعلهما ، وهذه أمور تتقارب بعضها من بعض ولا تستحيل معانيها واللّه أعلم بحقيقة الأمر فيها .
وقد قلنا فيما سلف : إنّما ينزل الملكان على من محض الإيمان محضا أو محض الكفر محضا ، ومن سوى هذين فيلهى عنه وبيّنّا أنّ الخبر جاء بذلك فمن جهته قلنا فيه ما ذكرناه .
فصل
: وليس ينزل الملكان إلّا على حيّ ولا يسألان إلّا من يفهم المسألة ويعرف معناها ، وهذا يدلّ على أنّ اللّه - تعالى - يحيي العبد بعد موته للمساءلة ، ويديم