الأصحّ أنّ الأنبياء - عليهم السلام - لا يسألون . وقال الصفّار : ليس في هذا نصّ ولا خبر ولا دليل فانتفي ذلك عنهم ، وما روي عنه - صلّى اللّه عليه وآله - من الاستعاذة عن عذاب القبر فذلك للمبالغة في إظهار الافتقار إلى اللّه - تعالى - وقيل : هو تحكّم محض لجواز أن يقال : « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلِيَهِْ مِنْ ربَهِِّ » ( 815 ) فكما جاز أن يسأل المؤمن عمّا آمن به فيقال : من ربّك وما دينك فكذا الرسول يسأل عمّا آمن به . فعلم أنّ حمل الاستعاذة على المبالغة تحكّم بغير دليل ، ولأنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - صاحب عهدة عظيمة لأنهّ إنّما بعث لبيان الشرائع وصرف القلوب إلى اللّه - تعالى - فلم لا يجوز أن يسأل عمّا كان في عهدته حتّى قيل : وسؤالهما الأنبياء بهذه العبارة : على ما ذا تركتم أمّتكم والحقّ أنّ الأئمّة كالأنبياء - صلوات اللّه عليهم أجمعين - في هذه الأمور كلّها ، ولم أر في كتب الإماميّة هذه المسألة لا نفيا ولا إثباتا ، والّذي يطمئنّ إليه قلبي أنّهم مع الأئمّة - سلام اللّه عليهم - مستثنون من هذه الأحكام . انتهى . وقال الصدوق - رحمه اللّه - في رسالة العقائد : اعتقادنا في المساءلة في القبر أنّها حق لا بدّ منها ، فمن أجاب بالصواب فإذا بروح وريحان في قبره وبجنّة نعيم في الآخرة ومن لم يأت بالصواب فله نزل من حميم في قبره وتصلية جحيم في الآخرة . وأكثر ما يكون عذاب القبر من النميمة وسوء الخلق والاستخفاف بالبول ، وأشدّ ما يكون عذاب القبر على المؤمن مثل اختلاج العين أو شرطة حجّام ، ويكون ذلك كفّارة لما بقي عليه من الذنوب الّتي تكفّرها الهموم والغموم والأمراض وشدّة النزف عند الموت . فإنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - كفّن فاطمة بنت أسد في قميصه بعد ما فرغت النساء من غسلها وحمل جنازتها على عاتقه حتّى أوردها قبرها ، ثمّ وضعها ودخل القبر واضطجع فيه ثمّ قام فأخذها على يديه ووضعها في قبرها ، ثمّ انكبّ عليها يناجيها طويلا ويقول لها : ابنك ابنك ، ثمّ خرج وسوى عليها التراب ، ثمّ انكبّ على قبرها فسمعوه وهو يقول : اللّهم إنّي أودعتها إيّاك . ثمّ انصرف .
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 265
مساهمون: علي أنصاريان
ص٢٦٥
هامش
( 815 ) - البقرة : 285 .