السؤال عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - من نفس النبيّ ، وأنت خبير بأنهّ لا يدلّ على عدم السؤال مطلقا بل عدم السؤال عن نبيهّ فقط ، وذلك أيضا في الّذي لا يكون على ملّة نبيّ آخر .
واختلف الناس في عذاب القبر فأنكره قوم بالكلّيّة وأثبته آخرون ، ثمّ اختلف هؤلاء فمنهم من أثبت التعذيب وأنكر الإحياء وهو خلاف العقل ، وبعضهم لم يثبت العذاب بالفعل بل قال : تجتمع الآلام في جسده فإذا حشر أحسّ بها دفعة ، وهذا إنكار لعذاب القبر حقيقة ، ومنهم من قال بإحيائه لكن من غير إعادة الروح ، ومنهم من قال بالإحياء وإعادة الروح ولا يلزم أن يرى أثر الحياة فيه حتى انّ المأكول في بطن الحيوانات يحيى ويسأل وينعّم ويعذّب ولا ينبغي أن ينكر لأنّ من أخفى النار في الشجرة الأخضر قادر على إخفاء العذاب والنعيم .
قال الإمام الغزّاليّ في الإحياء : اعلم أنّ لك ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا .
أحدها - وهو الأظهر والأصحّ - أن تصدّق بأنّ الحيّة مثلا موجودة تلدغ الميّت ولكنّا لا نشاهد ذلك ، فإنّ ذلك العين لا يصلح لمشاهدة تلك الأمور الملكوتيّة ، وكلّ ما يتعلّق بالآخرة فهو من عالم الملكوت ، أما ترى أنّ الصحابة كيف كانوا يؤمنون بنزول جبرئيل - عليه السلام - ، وما كانوا يشاهدونه ، ويؤمنون أنهّ - صلّى اللّه عليه وآله - يشاهده فإن كنت لا تؤمن بهذا ، فتصحيح الإيمان بالملائكة والوحي عليك أوجب ، وإن أمنت به وجوّزت أن يشاهد النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - ما لا تشاهده الأمّة فكيف لا تجوّز هذا في الميّت .
المقام الثاني أن تتذكّر أمر النائم فإنهّ يرى في نومه حيّة تلدغه وهو يتألم بذلك حتّى يرى في نومه يصيح ويعرق جبينه ، وقد ينزعج من مكانه . كل ذلك يدرك من نفسه ويتأذّى به كما يتأذّى اليقظان ، وأنت ترى ظاهره ساكنا ولا ترى في حواليه حيّة ، والحيّة موجودة في حقهّ ، والعذاب حاصل ، ولكنهّ في حقّك غير مشاهد ، وإن كان العذاب ألم اللدغ فلا فرق بين حيّة تتخيّل أو تشاهد .
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 261
مساهمون: علي أنصاريان
ص٢٦١