تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩

فإنّ المعتزلة من أصحاب أبي هاشم يقولون : إنّ اللّه - تعالى - ينزع من جسد كلّ واحد منهم أجزاء قدر ما يتعلّق به الروح ، وإنهّ - تعالى - يرزقهم على ما نطقت به الآية ، وما سوى هذا من أجزاء أبدانهم فهي في قبورهم كأجساد سائر الموتى . الجواب : هذا المحكيّ عن أصحاب أبي هاشم لأنّ المحفوظ عنه الإنسان المخاطب المأمور المنهيّ هو البنية الّتي لا تصحّ الحياة إلّا بها وما سوى ذلك من الجسد ليس بإنسان ولا يتوجهّ إليه أمر ولا نهي ولا تكليف ، وإن كان القوم يزعمون أنّ تلك البنية لا تفارق ما جاورها من الجسد فيعذّب أو ينعّم فهو مقال يستمرّ على أنّ البنية الّتي ذكروها هو المكلّف المأمور المنهيّ وباقي جسده في القبر : إلّا أنّهم لم يذكروا كيف يعذّب من عذّب ويثاب من أثيب أفي دار غير الدنيا أم فيها وهل يحيى بعد الموت أو تفارق الجملة في الدنيا فلا يلحقه موت ثمّ لم يحك عنهم في أي محلّ يعذّبون ويثابون وفيما قالوه من ذلك فليس به أثر ولا يدلّ عليه العقل ، وإنّما هو يخرج منهم على الظنّ والحساب ، ومن بنى مذهبه على الظّنّ في مثل هذا الباب كان بمقالته مفتريا ، ثمّ الّذي يفسد قولهم من بعد ما دلّ على أنّ الإنسان المأمور المنهيّ هو الجوهر البسيط ، وأنّ الأجزاء المؤلّفة لا يصحّ أن تكون فعّالة ، ودلائل ذلك يطول بإثباتها الكتاب ، وفيما أومأنا إليه منها كفاية فيما تعلّق به السؤال وباللهّ التوفيق . وسئل عنه - قدّس اللّه روحه - في المسائل العكبريّة عن قول اللّه - تعالى - : « وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ - الآية » ( 812 ) هل يكون الرزق لغير جسم وما صورة هذه الحياة فإنّا مجمعون على أنّ الجواهر لا تبلى شيئا ، فما الفرق حينئذ في الحياة بين المؤمن والكافر . فأجاب - رحمه اللّه - بأنّ الرزق لا يكون عندنا إلّا للحيوان ، والحيوان عندنا ليسوا بأجسام بل ذوات أخرجوا في هذه الدار إلى الأجساد ، وتعذّر عليهم كثير من الأفعال إلّا بها ، فإن أغنوا عنها بعد الوفاة جاز أن يرزقوا مع عدمها رزقا يحصل لهم به اللذات ، وإن افتقروا إليها كان الرزق لهم حينئذ بحسبه في الدنيا على السواء . فأمّا

هامش
( 812 ) - آل عمران : 169 .