وخافوا عذاب الحريق ، ولكن القلوب عليلة ، والبصائر مدخولة ألا ينظرون إلى صغير ما خلق ، كيف أحكم خلقه ، وأتقن تركيبه ، وفلق له السّمع والبصر ، وسوّى له العظم والبشر ( 2371 ) انظروا إلى النّملة في صغر جثّتها ، ولطافة هيئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبّت على أرضها ، وصبّت على رزقها ، تنقل الحبّة إلى جحرها ، وتعدّها في مستقرّها . تجمع في حرّها لبردها ، وفي وردها لصدرها ( 2372 ) مكفول برزقها ، مرزوقة بوفقها ( 2373 ) ، لا يغفلها المنّان ، ولا يحرمها الدّيّان ، ولو في الصّفا ( 2374 ) اليابس ، والحجر الجامس ولو فكّرت في مجاري أكلها ، في علوها وسفلها ، وما في الجوف من شراسيف ( 2375 ) بطنها ، وما في الرّأس من عينها وأذنها ، لقضيت من خلقها عجبا ، ولقيت من وصفها تعبا فتعالى الّذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها لم يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يعنه على خلقها قادر ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته . ما دلّتك الدّلالة إلّا على أنّ فاطر النّملة هو فاطر النّخلة ، لدقيق تفصيل كلّ شيء ، وغامض اختلاف كلّ حيّ . وما الجليل واللّطيف ، والثّقيل والخفيف ، والقويّ والضّعيف ، في خلقه إلّا سواء .
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 205
مساهمون: علي أنصاريان
ص٢٠٥