بجسم يحول بينه وبين تلك الريح ، ولذلك إذا جعلنا في الاناء ماء وروّحنا بمروحة فإنهّ يتحرّك ، فإن جعلنا على سطح الماء جسما يملأ حافات الإناء وروحّناه بالمروحة فإنّ الماء لا يتحرّك ، لأنّ ذلك الجسم قد حال بين الهواء المجتلب بالمروحة وبين سطح الماء ، فمن الجائز أن يكون الماء في الأوّل هائجا لأجل ريح محرّكة له فإذا وضعت الأرض عليه حال بين سطح الماء وبين تلك الريح وسيأتي في كلامه - عليه السلام - ذكر هذه الريح حيث قال : اعتقم مهبّها . . . إلى آخر ما سيأتي . والأولى أن يقال : إنّ غرضه - عليه السلام - ليس نفي التموّج مطلقا بل نفي التموّج الشديد الّذي كان للماء إذ حمله - سبحانه - على متن الريح العاصفة والزعزع القاصفة بقدرته الكاملة وأنشأ ريحا لمخضه مخض السقاء ، فكانت كرة الماء تندفق من جميع الجوانب وتردّ الريح أولّه على آخره وساجيه على مائره ، كما سيأتي في كلامه - عليه السلام - . ثمّ لمّا كبس الأرض بحيث لم يحط الماء بجميعها فلا ريب في انقطاع الهبوب والتمويج ( 330 ) من ذلك الجانب المماسّ للأرض من الماء ، وأيضا لمّا منعت الأرض سيلان الماء من ذلك الجانب إذ ليست الأرض كالهواء المنفتق المتحرّك الّذي كان ينتهي إليه ذلك الحدّ من الماء كان ذلك أيضا من أسباب ضعف التموّج وقلّة التلاطم ، وأيضا لمّا تفرّقت كرة الماء في أطراف الأرض ومال الماء بطبعه إلى المواضع المنخفضة من الأرض وصار البحر الواحد المجتمع بحارا متعدّدة وإن اتّصل بعضها ببعض وأحاطت السواحل بأطراف البحار بحيث منعت الهبوب إلّا من جهة السطح الظاهر سكنت الفورة الشديدة بذلك التفرّق وقلّة التعمّق وانقطاع الهبوب فكلّ ذلك من أسباب السكون الّذي أشار إليه - عليه السلام - . وأقول : ممّا يبيّن ذلك أنهّ إذا فرضنا حوضا يكون فرسخا في فرسخ وقدّرنا بناء عمارة عظيمة في وسطه فلا ريب في أنهّ يقلّ بذلك أمواجه ، وكلّما وصل موج من جانب من الجوانب إليه يرتدع ويرجع . ثمّ إنّ هذه الوجوه إنّما تبدى جريا على قواعد الطبيعيّين وخيالاتهم الواهية ، وإلّا فبعد ما ذكره - عليه السلام - لا حاجة لنا إلى إبداء وجه ، بل يمكن أن يكون لخلق الأرض وكبسها في الماء نوع آخر من التأثير في سكونه لا تحيط به
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 291
مساهمون: علي أنصاريان
ص٢٩١
هامش
( 330 ) - في المخطوطة : « التموّج » وهو الأظهر .