تعمّقهم رسوخا في العلم ، فالعطف في قوله « وسمّى » للتفسير أو الإشارة إلى أنّهم أولوا الألباب بقولهوَ ما يَذَّكَّرُ إِلّا أُولُوا الْأَلْبابِ ، وحينئذ فالمراد بالمتشابه ما يشمل كنه ذاته وصفاته - سبحانه - ممّا استأثر اللّه بعلمه ، وعلى هذا فمحلّ الوقف في الآية « إلّا اللّه » كما هو المشهور بين المفسّرين والقرّاء ، فتفيد اختصاص علم المتشابه ( 295 ) به - سبحانه - ، وقوله « والرّاسخون » مبتدأ و « يقولون » خبره ، وهو بظاهره مناف لما دلّت عليه الأخبار المستفيضة من أنّهم - عليهم السلام - يعلمون ما تشابه من القرآن كما مرّ في كتاب الإمامة ، وعلى هذا فالوقف على « العلم » ، وإليه ذهب أيضا جماعة من المفسّرين ، فقوله « يقولون » حال من الراسخين أو استئناف موضح لحالهم ، ويمكن الجمع بينها بوجوه : الأوّل : أن يكون ما ذكره - عليه السلام - هنا مبنيّا على ما اشتهر بين المخالفين إلزاما عليهم . الثاني : أن يكون للآية ظهر وبطن أحدها أن يكون المراد بالمتشابه مثل العلم بكنه الواجب وما استأثر اللّه - عزّ وجلّ - بعلمه من صفاته وكنه ذاته وأمثال ذلك ممّا تفرّد - سبحانه - بعلمه ، وإليه يشير ظاهر هذا الكلام ، وثانيهما أن يراد به ما علم الراسخون في العلم تأويله وإليه أشير في سائر الأخبار ، فيكون القارئ مخيّرا في الوقف على كلّ من الموضعين . الثالث : ما قيل إنهّ يمكن حمل حكاية قول الراسخين على اعترافهم وتسليمهم قبل أن يعلمهم اللّه تأويل ما تشابه من القرآن فكأنهّ - سبحانه - بيّن أنّهم لمّا آمنوا بجملة ما أنزل من المحكمات والمتشابهات ولم يتّبعوا ما تشابه منه كالّذين في قلوبهم زيغ
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 270
مساهمون: علي أنصاريان
ص٢٧٠
هامش
( 295 ) - بل تفيد اختصاص العلم بتأويل القرآن به - سبحانه - ، فتأمل في قوله وَما يَعْلَمُ تأَوْيِلهَُ إِلَّا اللهُّ ، والضمير في قوله « تأويله » راجع إلى « الكتاب » ، ولا ينافي علمهم - عليهم السلام - بمتشابهات القرآن ، بل لا ينافي علمهم بتأويله ، فإنّ ظاهر الآية وإن كان الانحصار لكنهّ لا يأبى عن الاستثناء ، كما أنّ ظاهر بعض الآيات اختصاص علم الغيب به سبحانه لكنهّ - تعالى - استثنى عنه من ارتضى من رسول في قوله : عالِمُ الْغَيْبِ ، فَلا يُظْهِرُ عَلى غيَبْهِِ أَحَداً إِلّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ( الجنّ : 26 - 27 ) . ودليل علمهم بتأويل القرآن قوله - تعالى - : لا يمَسَهُُّ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ( الواقعة : 79 ) . وإن أردت توضيح ما ذكر فراجع إلى تفسير « الميزان » ، سورة آل عمران .