تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥

و « جامعة » منصوبة على الحاليّة ، أي عليكم الصلاة على رفع الصلاة كما حكي ، أو احضروا الصلاة على نصبها جامعة لكلّ الناس . وربّما يقرأ برفعهما على الابتداء والخبريّة . وهذا النداء كان شائعا في الخطوب الجليلة وإن كان أصله للصلاة . « لا يفره » أي لا يكثره « المنع » ( 288 ) أي ترك العطاء . « ولا يكديه الإعطاء » أي لا يجعله قليل الخير مبطئا فيه ، يقال : « كدت الأرض » إذا أبطأ نباتها ، و « أكدى » فلان الأرض » إذا جعلها كادية ، أو لا تردهّ كثرة العطاء عن عادته فيه ، من قولهم « أكديت الرجل عن الشيء » أي رددته عنه ، ذكره الجوهريّ وقال : « الكدية » الأرض الصلبة ، و « أكدى الحافر » إذا بلغ الكدية فلا يمكنه أن يحفر ، و « أكدى الرجل » إذا قلّ خيره وانتقص ، يكون متعدّيا ولازما كنقص . وهذا في النسخ على بناء المفعول ، والتعليل بالجملتين باللفّ والنشر المرتّب أو المشوّش لمطابقة الإعطاء والمنع في كلّ منهما ، وعلى التقديرين التعليل في الأولى ظاهر ، والفقرة الثانية ليس في نسخ التوحيد وهو الصواب ، وعلى تقديرها ففي أصل الجملة والتعليل بها معا إشكال ، أمّا الأوّل فلأنهّ

هامش
( 288 ) - قوله - عليه الصلاة والسلام - « لا يفره المنع » أي لا يكثره ترك الإعطاء ولا يزيد في ملكه . « ولا يكديه الإعطاء » أي لا يفقره ولا ينتقص من ملكه « إذ كلّ معط منتقص سواه وكلّ مانع مذموم ما خلاه » . حسن الإعطاء والجود وقبح المنع والبخل من أحكام العقل العمليّ ، وملاك الحكم أنهّ يرى الإنسان محتاجا إلى بني نوعه مفتقرا إلى التعاون والتعاضد معهم حتّى يسعد في حياته ويبلغ غاية مناه ، فلكلّ فرد من أفراد المجتمع قدم إلى تشكيله وأثر في ابقائه ، وحقّ على زملائه وحقّ عليهم جميعا أن يتحفّظوا على الاجتماع ويراقبوا ثغوره ويذبّوا عن حدوده ، فحقّ على الأغنياء المثرين أن يبذلوا على الفقراء المعدمين ولا يدعوهم مفتقرين حتّى يهلكوا ويفقد المجتمع بعض أعضائه فينتقض الغرض ويخيب المسعى . ومن الواضح عدم وجود هذا الملاك في الحقّ - سبحانه - لتعاليه عن الحاجة وترفعّه عن النقصان وتنزهّه عن الغرض الزائد على الذات ، لكن حيث إنّ له - تعالى - مطلق الكمال والجمال وله الأسماء الحسنى والصفات العليا ، كان ذاته المتعالية وصفاته الجميلة الغير الزائدة عليها مقتضية لصدور الأفعال الحسنة وكان كلّ أفعاله لا محالة حسنة جميلة ، لكن ليس للعقل أن يحكم عليه بوجوب فعل الخير وترك الشرّ إلّا بمعنى إدراكه لاقتضاء ذاته - سبحانه - لهما ، وعلى هذا فلو صدر عنه - سبحانه - منع أيضا كان حسنا لأنهّ ليس لأحد عليه - تعالى - حقّ حتّى يحسن إعطاؤه ويقبح منعه ، ولا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون . وهذا هو المراد بقول الإمام الثامن - عليه السلام - : « فهو الجواد إن أعطى ، وهو الجواد إن منع ، لأنهّ إن أعطى عبدا أعطاه ما ليس له وإن منعه منعه ما ليس له » .