حكمته ، فصار كلّ ما خلق حجّة له ودليلا عليه ، وإن كان خلقا صامتا ، فحجتّه بالتّدبير ناطقة ، ودلالته على المبدع قائمة . فأشهد أنّ من شبّهك بتباين أعصاء خلقك ، وتلاحم حقائق مفاصلهم ( 1034 ) المحتجبة ( 1035 ) لتدبير حكمتك ، لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ، ولم يباشر قلبه اليقين بأنهّ لا ندّ لك ، وكأنهّ لم يسمع تبرّؤ التّابعين من المتبوعين إذ يقولون : تاَللهِّ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ كذب العادلون بك ( 1036 ) ، إذ شبّهوك بأصنامهم ، ونحلوك حلية ( 1037 ) المخلوقين بأوهامهم ، وجزّأوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم ، وقدّروك ( 1038 ) على الخلقة المختلفة القوى ، بقرائح عقولهم . وأشهد أنّ من ساواك بشيء من خلقك فقد عدل بك ، والعادل بك كافر بما تنزّلت به محكمات آياتك ، ونطقت عنه شواهد حجج بيّناتك ، وإنّك أنت اللّه الّذي لم تتناه في العقول ، فتكون في مهبّ فكرها مكيّفا ( 1039 ) ، ولا في رويّات خواطرها فتكون محدودا مصرّفا ( 1040 ) ومنها : قدّر ما خلق فأحكم تقديره ، ودبرّه فألطف تدبيره ، ووجهّه لوجهته فلم يتعدّ حدود منزلته ، ولم يقصر دون الانتهاء إلى غايته ، ولم يستصعب ( 1041 ) إذ أمر بالمضيّ على إرادته ، فكيف
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 254
مساهمون: علي أنصاريان
ص٢٥٤